![]() |
رواية تيار الحب الفصل التاسع بقلم رباب حسين
منذ أسبوع..
اخترق جسم مجهول سماء الأرض باحثًا عن ليور، نعم، بعد أن قام إيثر بحرمان ليور من كل شيء، وأيضًا إعلانه بأنه لن يكون وريث عرشه، شعر بأن ما قام به خطأ، حاول البحث عن ليور لعدة أيام حتى اكتشف يومًا إن ليور قد خرج عن عالمه، علم أنه ذهب ليبحث عن الحب خارج حدود كوكبهم، لأنه على يقين أن لا وجود لهذه المشاعر هنا، حاولو بتقنيتهم المتقدمة البحث عن المدار الذي سلكه وبالفعل وصلو للمدار، تفاجأ بأنه اتبع مسار جديد لم يعلم به أحد من قبل، أمر إيثر بخروج مركبة للبحث عنه وعودته إلى كوكبه وخرج بنفسه وذهب إلى هناك وذهبت معه زوجته نوارا وترك ابنه الصغير يتولى أمور الحكم.
عندما وصولو إلى كوكب الأرض، كانت نظرات الانبهار ترتسم على ملامحهم، إن موارد الكوكب غنية عن كوكبهم وهذا ما آثار إعجاب إيثر.
نزلو من المركبة بجوار مركبة ليور ونظر إيثر حوله وقال لأحد أعوانه: إبحث عن مركبة ليور، جهاز تحديد المواقع أشار أن المركبة قد هبطت هنا.
سيزيف: أمرك سيدي.
بحث عنها ثم أشار إلى أحد الكهوف وقال: إنها هنا.
رفع إيثر يده ليخرج طاقة كهرباء منها فظهرت المركبة، اقتربت نوارا منه وقالت: المركبة سليمة، إذًا ليور قد اختار البقاء بإرادته.
إيثر: نعم، كنت أظن إن هناك من يبقيه بعيدًا عن الديار، فلنبحث عنه، ولكن توخو الحذر، نحن لا نعلم أي شيء عن سكان الكوكب حتى الآن.
نظر إيثر حوله وقال: هناك جبال عدة، ألا يوجد إتصال كهربائي هنا.
سيزيف: فلنهبط الجبل سيدي ونبحث أكثر عن أي إشارات كهربائية.
إيثر: حسنًا، قم بإخفاء المركبتين ولنهبط معًا.
نزلو من الجبل حتى وصلو إلى مكان قريب من تغطية الشبكات وعلى الفور اخترقها إيثر ووقفو جميعًا يتصفحون شبكات الإنترنت حتى علمو معلومات كافية عن الكوكب والسكان.
إيثر: نحن متقدمون عنهم.
نوارا: نعم، ومختلفين أيضًا، من المؤكد أن ليور عثر على الحب هنا، إنهم يهتمون بالمشاعر، هناك عيدًا للحب عندهم أيضًا! إنهم يقدسون المشاعر، نحن خسرنا ليور.
إيثر: بل ليور قد وجد كنز، الكوكب غني بالمعادن النادرة، الموارد الطبيعية متوفرة وبكثرة، هناك مياه عذب بأماكن مختلفة وبوفرة، ألا تعلمين ندرة الموارد بكوكبنا؟
نوارا: نعم أعلم، ولكن بماذا تفكر؟! إنك لا تفكر بغزو الكوكب أليس كذلك؟!
إيثر: ولما لا، بالرغم من عدم تقدم أجسادهم مثلنا إلا أنهم يعتمدون كليًا على الأجهزة الإلكترونية والذكاء الإصطناعي، هذا يسهل غزونا لهم، إذا استطعنا أن نقطع وسائل الإتصال بينهم فهم في قبضة يدنا، وما يثير إعجابي أكثر أن الأكسجين متوفر بغزارة.
سيزيف: غلافهم الجوي أفضل من غلافنا، من المحزن أنهم يلوثون كوكب كهذا، إنهم حقًا لا يعلمون قيمة ما لديهم.
إيثر: بل إعتادو النعم فلا يشعرون بها.
سيزيف: هناك شيء يجب أن تراه يا سيدي، هم يعلمون بشأن إختراق مراكبنا إلى الكوكب، هناك أمر لبعض الوحدات العسكرية بالتحرك بالقرب من المنطقة التي تركنا المركبتينيها بها.
إيثر: إذًا علينا أن نبدل ملابسنا بملابسهم، فلنقترب من أحد الأماكن المأهولة بالسكان، وفي إثناء ذلك علينا إتقان لغتهم حتى لا يشعرون بالتوجس منا.
سيزيف: حسنًا سيدي.
وبالفعل اقتربو من أحد المدن في سيناء وقام سيزيف بسرقة بعض الملابس وبدلوها ثم أمرهم إيثر بالبحث عن ليور بالأول.
الوقت الحالي.
تلك الغارقة بين كلمات ذهبت بعقلها بعيدًا عن المنطق، كانت العاصفة داخلها أقوى من أن تُهدأها كلمات وأصدق من أن تُكذبها العيون.
كل ما رأته وسمعته من نور ظل يدور في رأسها كصدى بعيد لا يريد أن يخفت.
"أنا من كوكب لاروس."
الجملة التي اخترقت وعيها لم تترك لها مهربًا، ولا حتى في أحلامها التي اعتادت أن تهرب إليها عندما يضيق بها الواقع.
ابتعدت عنه لتنظر له بحيرة وقالت: إنت... إنت عايزني أرجع معاك؟
ليور: أكيد، أن الملك ولازم أرجع.
فلك: بس... بس ده مش منطقي، ومين قالك إني هوافق، أنا أصلًا مش واثقة فيك.
ليور: ليه؟!
فلك: إنت مش شايف إنت عملت إيه من ساعة ما جيت، إنت استخدمت نوح عشان تخترق عقلي، خلتني عملت أداة تدخلك جوايا وتعرف كل حاجة عني ومن ناحية تانية تتكلم معايا بشخصية نور عشان تخليني أحبك، إنت خدعتني، إنت كداب يا نور وأنا مش بثق في الكدابين.
ليور: بس أنا مكنش عندي حل تاني، إفهميني يا فلك، كل ده حصل من غير ترتيب، أنا هربت من الكوكب بتاعي عشان مش لاقي حد هناك بيقدر المشاعر ولا معترف بيها، رفضت أتجوز بس عشان العادات والتقاليد، عايز واحدة تشاركني كل حاجة، وقفت قدام الملك وقولتله مش هتجوزها وقالي لو لقيت واحدة تحبك تعالى وخد العرش، وعشان عارف إن صعب ألاقيه هناك خرجت أدور في أي مكان تاني، أنا جي من مجرة تانية عشان أدور عليكي ومصدقت لقيتك، لكن تقوليلي إني كدبت يبقى إنتي كده بتظلميني، كنتي عايزاني أجي أقولك: أهلًا، أنا كائن فضائي جاي أدور على عروسة، تقبلي تتجوزيني؟!
فلك: أكيد مش بالطريقة ديه، ولا برده بالخداع والحيل، إنت دخلت جوا مخي وعرفت كل أسراري، كان ممكن أسمح لنوح بده عشان في الأول والآخر أمره في إيدي، أقدر أمحي كل حاجة جواه عني، لكن إنت... إنت عرفت كل حاجة، أنا قدامك كتاب مفتوح وده صعب، صعب أكون مع حد شاف عيوبي ووجعي وحتي مخاوفي.
ليور: أنا معنديش مانع تدخلي جوايا، تعرفي عني كل حاجة، معنديش مانع أبقى كتاب بين إيديكي، بالعكس، ديه أحسن حاجة حصلت، لما عملت إتصال عصبي من نوح أول مرة وشفت حبك ليه، كنت طاير من الفرحة، إنتي حبتيني أنا يا فلك مش هو، أنا نوح الحقيقي مش ده، أنا اللي كنت بسهر جنبك بالساعات واتكلم معاكي، أنا اللي خليته يطلع يجيبك جري من وسط الحريق، أنا اللي ظهرت شرارة الكهربا برا الأوضة عشان السيكيروتي يقفل الكهربا عن المنطقة كلها ونوح يتفصل من الشحن ويقدر يتحرك ويجي ينقذك، أنا اللي قولتلك إني واثق فيكي.
فلك: وإنت اللي وقفت هنا أتخانقت مع نفسك عشان تختبر مشاعري.
ليور: وفي الآخر اختارتيني، سواء إعجابك بيا كنور أو كنوح، أنا الاتنين، أنا مش فاهم إنتي إزاي بترفضيني؟! فلك إنتي كنتي هتتجنني عشان مش عارفة تختاري، ومع ذلك لما وقفتي وحمايتي نوح وقدرتي تتكلمي بكل شجاعة وتواجهي كل اللى كان بيزعقلك وتهربي من الرد بس عشان ميخدوش منك حتة الحديدة ديه، عرفت إنك اختارتيه، اختارتي اللي قلبك حبه حتى لو مش هيعرف يحبك زي ما إنتي عايزة، حتى لو هتتحرمي من شعور الأمومة، وقفتي قدام الكل عشانه، اللي هو عشاني، أنا يا فلك، بترفضيني؟!
فلك: كفاية.... كفاية أنا مش مستوعبة كل اللي إنت بتقوله ده، اطلع برا يا نور، أنا عايزة أفضل لوحدي شوية.
زفر ليور بقوة واقترب منها وقال: فلك أنا بحبك، ومش همشي من هنا من غيرك، هفضل مستني هنا لحد ما أخدك معايا.
فلك: اللي بتطلبه صعب، مقدرش أسيب الدنيا ديه كلها وكل الناس اللي أنا أعرفهم وأروح معاك لمكان أنا معرفوش، معرفش هعرف أعيش فيه ولا لأ.
تنهد فلك بقوة وقالت: سيبني يا نور لو سمحت شوية.
نظر لها داخل عينيها بحزن لتبادله فلك النظرات، نبض قلبها قد اخترق مسامعها ليصمت كل ما حولها، تسمع فقط هذا النبض الذي يطالب بالقرب منه وليس البعد، نظر ليور إلى الفراغ في حزن ثم تركها وذهب، نظرت فلك إلى آثره ثم نظرت إلى نوح القابع مكانه بهدوء، وإن كان هناك حزن بداخلها من فقدان نور ورفضها له، إلا أن حزنها على فقدان نوح أكبر، نظرت إلى جهاز الاتصال العصبي، هي حتى لن تستطيع استخدامه مرة أخرى مع نوح أو غيره، تعلم أن نور قد يستغل ذلك الأمر لصالحه، أغمضت عينيها بإرهاق، ما يحدث ليس بهين أبدًا عليها، كانت تظن أنها ستحافظ على وجودهما معها وفي لحظة واحدة خسرتهما معًا.
جلست أمام نافذتها تحدق في المدينة الغارقة في الأضواء، تشعر وكأن كل ذرة كهرباء حولها تنبض باسمه، وكأن تيار الحب الذي تحدث عنه صار يعيش داخلها بالفعل.
هل يُعقل أن تُحب كائنًا ليس من عالمها؟ هل الحب طاقة كونية أم لعنة تربط روحين عبر المجرات؟ وضعت يدها على قلبها كأنها تحاول أن تُسكته، أن تقنعه بأن ما تشعر به مجرد تداخل بين نبضين، لا أكثر، هي فقط اعتادت وجوده وسوف ينتهي هذا الاعتياد قريبًا لكن صوتًا خافتًا داخلها كان يهمس: "ما الذي تخافينه يا فلك؟ الحقيقة... أم نفسك؟" كانت تدرك أن عقلها سيرفض هذا الجنون، لكن قلبها؛ ذاك الجزء الطفولي الذي لم يتعلم بعد معنى الحدود، كان يؤمن أن الحب لا يعرف كوكبًا ولا منطقًا.
أما ليور، فقد أصابه اليأس، لم يتوقع أن ترفضه أبدًا، هو الملك القادم لشعبه، يعامل كالملوك منذ ولادته وهنيئًا لمن حاول الاقتراب منه، هل يُعقل أن يُرفض من الفتاة الوحيدة التي أحبها؟ وبالرغم من الألم القابع داخل صدره إلا أنه قرر عدم الرحيل، سيظل بهذا العالم، فإن قررت عدم الذهاب معه فسيترك كل شيء فقط ليكون بجوارها، يكفيه أن يراها ولو حتى من نافذة غرفته كل يوم، فقد وجدت الحب بين يديكِ ولن أتركه وأرحل عنكِ.
أما إيثر، فكان يقف في شوارع العاصمة، ينظر حوله بإعجاب، فبالرغم من اختلاف البشر عنهم إلا إنهم استطاعو أن يطورو من الكوكب بشدة، وقف سيزيف خلفه وقال: سيدي الملك.
إيثر: أتكلم بلغة البلد، مش عايزين حد يشك فينا.
سيزيف: آسف، بس مفيش أي آثر للأمير، نعمل إيه؟!
نوارا: أنا قلقانة، تفتكر الشرطة هنا قبضو عليه؟
إيثر: لو ده حصل كان اسم ابنك منتشر في كل مكان، مش هيقدرو يخفو وجود كائن فضائي وجسمه بيصدر طاقة كهربائية تقدر تحرق الكوكب كله، الشمس هنا مختلفة وده زود الكوكب بطاقة رهيبة، وده بيزود الطاقة الكهربائية عندنا.
نوارا: طيب عايزين طريقة نوصل بيها لليور، الناس كتير أوي وصعب ندور في كل البيوت.
إيثر: كان فيه حاجة في دماغي عايز أعملها بس كنت مأجلها لآخر لحظة، بس واضح إن معنديش حلول تانية، ليور هيظهر لو عرف إننا هنا على الكوكب، وده هيخلينا نظهر نفسنا، وأنا لو حبيت أعلن عن وجودي هعلنه بطريقة تليق بيا كملك زوناد.
سيزيف: تأمر بإيه جلالتك.
إيثر: عايز مكان مرتفع، أعلى مكان موجود.
سيزيف: برج القاهرة أو الهرم الأكبر.
إيثر: الهرم الأكبر، هنقف عليه ونبدأ بإرسال أول رسالة لسكان الأرض إن إحنا هنا.
في المساء، عند منتصف الليل بالتحديد، وقف إيثر أسفل الهرم ونظر له بتعجب ثم قال: عجيب!
نوارا إعجاب: فعلًا، بس ضخم جدًا، هنطلع فوق إزاي؟!
نظر إيثر إلى السماء، بعد وقت رأى أحد الطائرات فتحكم بها لتهبط أمامه عند الهرم، نظر له قائدها في ذعر وهناك فزع أصاب كل الركاب بعد هذا الهبوط العجيب والغير مبرر، اقترب إيثر ووقف على أعلى الطائرة وقام بالتحكم بها مرة أخرى ليصعد إلى قمة الهرم تحت زهول من الركاب اللذين رأوه يسير على جناح الطائرة عبورًا إلى قمة الهرم ثم أنزل الطائرة مرة أخرى، وقف بالمنتصف وأغمض عينيه، ليطفئ كل اتصال كهربائي بمصر ليسود الظلام بكل مكان، بعد وقت ظهرت رسالة على كل شاشات العرض بمصر كلها، كُتب فيها بعد الكلمات: " أنا ملك زوناد، جئت من كوكب لاروس، لا تحاولو مواجهتي فأنا قادر على التحكم بكل شيء تملكوه، حتى هذه الهواتف التي بيدكم، أريد السلام وليس الحرب ولكن إذا اخترتم الحرب فلكم هذا، أنا أعلن تواجدي على الكوكب، هناك شيء عليّ أن أحصل عليه، فليأتي إليّ طوعًا، دمتم سالمين"
ثم اختفى الضوء من السماء تاركًا وراءه صمتًا ثقيلًا، وكأن الأرض كلها حبست أنفاسها، كلمات بسيطة ولكن أصابت كل الشعب بالخوف، هناك من ظنها قرصنة، وهناك من ظنها دعابة سخيفة، ولكن هؤلاء اللذين شاهدو ما يحدث أمام أعينهم داخل الطائرة لم يتوقفو عن الحديث والرعب الذي دب داخل قلوبهم، رفع إيثر الطائرة عاليًا مرة أخرى وهبط من قمة الهرم وأعاد الطائرة إلى مسارها، ولكن التفت ليجد سيارات الشرطة تقترب من المكان، نظر إليها في تعجب ولكن علم أن سكان الأرض يريدون الحرب وليس السلام. تُرى ماذا سيحدث بعد هذا الحدث الغير متوقع وكيف ستتقبل فلك هذا الأمر؟
