رواية ظل البراق الفصل العشرون
“ما الأحلامُ إلا نوافذٌ نفتحها على ما نجهله في أنفسنا؛
تمتدُّ منها خيوطُ أملٍ خفيّة، تُرشدنا حين نتعثّر،
وتُذكّرنا أن الطريق مهما طال… فالقلب ما زال قادرًا على أن يحلم.”
……………………..
كان الممرّ المؤدّي إلى مكاتب المدرّسين هادئًا على غير العادة، وكأنّ المدرسة بأسرها دخلت في لحظة سكون غريبة بعد انتهاء الحصص. كانت سما تسير بخطوات متردّدة، تحمل كراستها بين يديها، تتساءل في سرّها عن سبب استدعائه المفاجئ لها. لم تكن تحبّ التعامل مع هذا المدرّس تحديدًا؛ فملامحه الهادئة ونبرة صوته اللطيفة كانت دومًا تحمل شيئًا لا تطمئنّ له.
وقفت أمام باب مكتبه، رفعت يدها لتطرق… ثم أنزلتها. شعرت بانقباض في صدرها،وأخيرًا طرقت طرقة خفيفة.
ارتفع صوته من الداخل هادئًا، ثابتًا:
-“اتفضّلي يا سما، الباب مفتوح.”
دفعت الباب ببطء، ودخلت.
كان المكتب ضيّقًا، ويمتلئ بأوراق كثيرة فوق الطاولة، بينما جلس هو خلف مكتبه في وضع بدا متعمَّدًا: ظهره مستقيم، يداه متشابكتان أمامه، ونظراته ثابتة عليها بطريقة تفحصية لكنها مُغلّفة بابتسامة خفيفة.
قال وهو يشير إلى الكرسي المقابل له:
-“تعالي يا بنتي… اقعدي.”
جلست دون أن ترفع رأسها كثيرًا. شعرت بتوتر في أطرافها، وكأن الهواء حولها أثقل من المعتاد،مال قليلاً للأمام، بصوت منخفض:
-“عاملة إيه يا ست سما؟”
أجابته باقتضاب:
-“الحمدلله يا مستر”٠
ساد صمت قصير… لكنه لم يكن صمتًا مريحًا. كان كأنه يفكر في صياغة الكلمات بدقة، كما يفعل دائمًا عندما يقترب من حدود لا يجرؤ على تجاوزها صراحة.
ثم قال:
-“أنتِ عارفة أنا طلبتِك ليه؟”
هزّت رأسها نفيًا، فقال بابتسامة باهتة:
-“عشان دراستك الفترة دي بقت أقل من مستواكِ. وأنا متعود عليكِ شاطرة وناصحة ، إيه اللي حصل بقي ، احكيلي وأنا هسمعك.”
بدت كلمات عادية، لكن الطريقة التي قالها بها كانت محمّلة بمعانٍ خفيّة.كان صوته دافئًا زيادة عن اللزوم، ونظرته مركّزة على وجهها أكثر مما يجب.
رفعت” سما “عينيها نحوه للحظة، ثم أنزلتها بسرعة وقالت:
-“كنت مشغولة شويّة بس إن شاء الله هرجع أذاكر كويس.”
نظر لها بهدوء وقال بعتاب لطيف:
-” طب والدرس؟ بقالك أربع حصص غايبة من درسي ليه يا سما؟ ينفع كده! هو أنا زعلتك في حاجة يا بنتي؟”
نظرت للأرض وقالت بصوت مهزوز نوعًا ما :
-” يعني..يعني أنا بس قولت لحضرتك كنت مشغولة شوية .”
أومأ ببطء، ثم قال بجملة لم تفهمها فورًا:
-” ماشي يا سما ، بس أنتِ لازم تهتمّي بنفسك وبوجودك أكتر من كده، أنتِ تقدري تعملي حاجات كتير أوي وتطلعي الأولي كمان .!
رفعت “سما” رأسها بقلق:
-” مش فاهمة قصدك يا مستر ، تُقصد إيه”
ضحك ضحكة قصيرة، ناعمة، وكأنها ضحكة رجل يشعر أن كل كلمة محسوبة عليه:
-“قصدي… إنك تستغلي جمالك وذكاءك في إنك تبقي أحسن. وشطارتك كمان ، أنتِ طالبة ممتازة وشاطرة أوي ، استغلي ده وهتقدري تحققي كتير ، كتير أوي يا سما.”
تجمّدت النبضات في صدرها..ابتلعت ريقها بصعوبة.
قالت سريعًا:
-“أنا تمام كده يا مستر ومش عايزة أحقق حاجة تانية .”
لكنّه استند للخلف قليلًا، وعيناه تنزلقان فوق ملامحها بنعومة مُريبة.
كانت نظرته من النوع الذي يُخيف أكثر لأنه غير واضح،نظرة لا تستطيع الإمساك بها، لكنها تشعر بها.
قال بهدوء شديد:
-“سما أنتِ بنت مؤدبة. وأنا بحب الطالبات الجدعان والمؤدبين اللي زيّك. وعمري ما أحب أشوفك متلخبطة، لأنك غالية عندي”
لم يعجبها استخدامه لكلمة ” أحب ، غالية ” ولم يعجبها نبرة صوته حين قالها.
أجابت بحذر:
“شكراً…”
اقترب هو قليلًا، ضيّق المسافة بينهما دون أن يلمسها.
كان ذلك يكفي لتشعر بعرق بارد يسري في ظهرها.
قال بصوت منخفض أقرب للهمس:
-“بس بلاش تبقي عصبية كده، أنتِ مش محتاجة تخافي.”
ردّت دون أن ترفع عينيها:
-“أنا مش خايفة يامستر ، أنا بس عايزة أمشي عشان متأخرش”
ابتسم ثم قال، وهو يترك جملة معلّقة دون سبب:
-“هتمشي بس عارفة ، في بنات كتير بيثقوا فيَّ. وبيفتحولي قلوبهم يمكن أكتر من أهلهم ، بيجيوا يتكلموا معايا ويحكولي ويشتكولي كمان ، وأنا بسمعهم وبحل ليهم أي مشكلة.”
كأن الكلمات خرجت منه مُغلّفة بإيحاء خفيف، وكأنها اختبار لرد فعلها لم ترد.
فقال بجملة أثقل:
-“ولو أحتجتِ أي حاجة، أي حاجة… أنا موجود.”
شدّت أصابعها على طرف الكرسي.قلبها يدق بسرعة.
أخيرًا، جمعت شجاعتها وقالت:
“لو خلصنا يا مستر أقدر أروح؟ عندي درس دلوقتي.”
ظلّ ينظر إليها لثوانٍ طويلة… كأنه يحاول قراءة ما وراء كلماتها.
ثم قال بابتسامة متكلفة:
-“اتفضّلي يا سما. بس خدي بالك من نفسك وحافظي عليها ، لأني مابحبش أشوف فيكِ حاجة وحشة”
نظرت له بتوتر وضيق و وقفت لكي تذهب ، فاقترب هو من سطح المكتب، التقط ورقة، ثم مدّها نحوها بطريقة لم تكن تحتاج أن تكون بهذا القرب.
قال بصوت منخفض:
-“وده واجب صغيركده عشان ترجعي بيه مستواكِ الممتاز، اعمليه. ولو حبّيتي نراجع سوا قولي وأنا قعد معاكِ ونراجعه.”
أخذت الورقة بسرعة، ثم انحنت قليلًا في احترام مُتوتر:
-“تمام، شكرًا عن أذنك يا مستر..”
وبخطوات سريعة، خرجت من المكتب، تغلق الباب خلفها وكأنها تغلق بابًا على شيء مُظلم ومتربص.
خرجت” سما “من غرفة المدرّس بخطوات سريعة تكاد تسبق أنفاسها، كأن الهواء داخل المكتب كان ثقيلاً إلى درجة دفعتها للهرب منه. ما إن عبرت الممر حتى شعرت بأن ركبتيها ترتجفان، فأمسكت بحافة الحائط للحظة قصيرة تستعيد فيها توازنها.
رفعت يدها إلى صدرها، تحسّ نبضًا يطرق بقوة، وكأن قلبها يريد أن يُخبرها أن ما حدث لم يكن عابرًا… لم يكن طبيعيًا.
تنهّدت بصوت مرتجف…
وحاولت أن تستجمع نفسها قبل أن تمرّ أي معلّمة أو طالبة.
لكن عقلها ظلّ عالقًا في تلك النظرة…
النظرة التي لم يكن فيها كلمة واحدة صريحة، لكنها كانت مليئة بكل ما يُقلق الروح..سارت ببطء، تنظر إلى الأرض، وكل خطوة تحمل سؤالًا ثقيلًا:
“هو قصده إيه؟
ليه قرب مني بالشكل ده؟
ليه حسّيت إن كلامه مش عادي؟”
لم تكن تريد تصديق أي إحساس، فهي تعرف جيدًا أنّ أحدًا لن يصدقها لو تحدّثت.
فالمدرّس محترم…مثقف…إنسان فاضل
هكذا تراها الإدارة… وهكذا يراه أولياء الأمور.
رفعت رأسها فجأة حين سمعت صوتًا من خلفها:
-“يا سما؟ مالك؟”
كانت إحدى صديقاتها، لكن “سما “ابتلعت خوفها سريعًا وهزّت رأسها نفيًا:
-“مفيش… بس صداع بسيط.”
قالت صديقتها بقلق:
“طب نروح للعيادة ، بس ماعرفش لسه الدكتورة موجودة فيها ولا مشيت؟”
ابتسمت “سما” ابتسامة مصطنعة تخفي بها الارتجاف داخليًا:
“لأ خلاص، كده كده مروحة وهمشي دلوقتي ،شكرًا يا أشرقت ، سلام .”
ومضت…
لكن خطواتها لم تعد كما كانت.
كانت أثقل… أبطأ… وكأن كل ما حولها صار ضبابيًا.
بعد خروج سما، ظلّ المدرّس جالسًا في مكانه للحظة، يتأمل الباب المغلق بابتسامة صغيرة، كأن جزءًا داخله يشعر بنصرٍ ما،نهض بهدوء ورتّب أوراقه قبل أن يخرج بدوره من المكتب.
وحين عاد إلى غرفة المدرّسين، تغيّرت ملامحه بالكامل:
اختفت تلك النظرة المائلة، وتحوّل إلى رجل وقور، ثابت النظرات، مبتسم الهدوء.
رحّب بزملائه:
-“أهلًا يا أستاذة، أخبار الشغل؟”
ابتسمت المعلمة “أمينة “قائلة:
-“يا مرحب بأستاذنا ربنا يديك الصحة والله كل البنات بتحب حصصك منهم بنتي وبنت أختي.”
ضحك في حياء مصطنع:
-“ده من ذوقهم، الطالبات محترمات جدًا”
ثم جلس، وفتح دفتره، وقال بثقة:
-“كنت لسه مع سما بنت مؤدبة وشاطرة، بس شكلها تعبانة شوية.”
تدخلت معلمة أخرى:
-“آه البنت دي مؤدبة وشاطرة أوي، كويسة إنها لقت حد زيك يهتم بيها.”
أومأ في تواضع مزيف، ثم قال بجملة يعرف تمامًا كيف يستغلها:
-“إحنا دورنا مش تعليم بس، إحنا بنربي برضوا ، ودول بناتنا لازم نهتم بيهم .”
ضحك المدرّسون إعجابًا بكلماته، بينما هو يبتسم وكأن هالةً من النقاء تحيط برأسه…
لكن عينيه مرّ عليهما بريق خفيف، لا يراه إلا من يعرف ما في داخله.كان يتقن لعبته جيدًا.يعرف متى يبتسم، ومتى يخفض صوته، ومتى يتظاهر بالاهتمام.
وفي اللحظة ذاتها التي كان ينصت فيها إلى حديث المدرّسين حول الامتحانات، كانت صورته في ذهن سما مختلفة تمامًا…
كانت رؤيته ملوّثة بالريبة، نظراته تميل نحو الخطورة، وحديثه مغلفًا بنبرة لا يسمعها سواها.
___________
الاختيار لحظة حرية تمنحنا الحياة، ورغم أن الطريق قد يبدو مظلماً أحيانًا، فإن كل قرار نتخذه يفتح لنا نافذة جديدة، وتظل أقدامنا تمشي بخطى نحن وحدنا نرسمها. فليكن الاختيار حكيمًا، لأن في كل اختيار بصمة لا تمحى على روحنا، وفي كل قرار درس نعيشه ونحمله معنا.
_________
كان ضوء الظهيرة يتسلّل من نوافذ معمل في كلية الطب، فينساب فوق الطاولات المعدنية اللامعة ويعكس ظلالًا طويلة فوق الجدران البيضاء..الهواء كان محمّلًا برائحة المعقم، وصوت الطلاب يتداخل في همسات صغيرة بانتظار بداية السيكشن.
جلست “هنا” في مقعدها الأمامي كعادتها، ظهرت عليها ملامح تركيز شديد؛ حقيبتها مفتوحة وبها كشكول المحاضرة، وقلمها بين أصابعها، تهزّه بلا وعي.
وفجأة…فُتح الباب ودخل المعيد الجديد، شاب في أواخر العشرينات، طويل نسبيًا، أنيق المحتوى، بابتسامة خفيفة مريحة.
لم تمضِ ثوانٍ حتى ارتفع الهمس بين البنات في آخر القاعة:
-“يا لهوي… شوفتي القمر؟!”
-“ده معيد ولا ممثل تركي؟”
– “أنا هركز في السيكشن إزاي و قدامي الجمدان ده؟”
-” أنا شكلي أستعجلت في خطوبتي ولا إيه؟”
“هنا “رفعت عينيها للحظة، نظرة سريعة، ثم أعادتها إلى الكشكول.
لم يكن اهتمامها به كما كان عند الأخريات، لكن انزعاج خفيف مرّ داخل صدرها… ليس منه، بل منهن.
بدأ السيكشن، وبدأ المعيد يشرح بنبرة ثابتة.والبنات في الخلف بين ضكات مكتومة ولمزات لا تنتهي.
هنا حاولت أن تتجاهل…لكن كل كلمة منهن كانت تسقط في أذنها كشيء يشوّه هيبة العلم والمكان.
“هنا “حاولت أن تتجاهل…لكن كل كلمة منهن كانت تسقط في أذنها كشيء يشوّه هيبة العلم والمكان.
انتهى السيكشن أخيرًا، وخرج الطلاب من القاعة.
اجتمعت البنات حول هنا: ملك، داليا، ونوران—صاحباتها وزميلاتها.
كانوا ينوون الذهاب لصلاة الظهر في مسجد الكلية،فساروا نحو المسجد، وتداخلت خطواتهن فوق الأرض المرصوفة.
“ملك”وهي تضحك وتضرب كتف” هنا” بخفة:
-“سيكشن ده ولا محل حلويات يا هنا! أنا أول مرة أشوف معيد بالحلاوة دي”
“داليا” تضع يدها على خدها وتتنهّد:
-“ده لو فضّل معانا طول السنة أنا هسقط من كتر التركيز معاه ، ده أنا مركزتش في الشرح خالص “
هنا نظرت إليهن باستغراب ممزوج بالضيق.
لكنها لم تتكلم… بعد.
دخلن المسجد،وقفت هنا في الصف الأول، تحاول أن تهدأ، لكن داخلها كلام يتزاحم… كلام لا يريد أن يسكت.
بعد الصلاة، جلسن في آخر المسجد يرتّبن طرحهن وكتبهن.
كانت هنا صامتة، وجسدها يميل قليلًا للأمام، كأنها تحمل ثقلًا.
لاحظت “نوران” الأمر وقالت بقلق بسيط:
-“مالك يا هنا؟ شكلك متضايقة.”
رفعت “هنا “وجهها إليهن، عيناها ثابتتان، وصوتها هادئ وقالت بعتاب لطيف:
“أنا متضايقة فعلًا ، متضايقة جدًا منكم ومن اللي قولتوه ، ينفع كده؟”
قالت “ملك” بحيرة :
-“حصل إيه؟ إحنا بنهزر يا بنتي عادي ، ده كلام يعني مش حوار كبير ، هو أحنا روحنا حضناه مثلًا.”
نظرت لها “هنا ” وقالت بابتسامه هادئه :
-“لا… مش هزار،الكلام اللي اتقال ده و التغزل.. النظرات… ده مش صح.”
“داليا” تضحك بخفّة وتقول :
-“يا شيخة هنا، ده شاب صغير وحليوه، وإحنا بنات وشوفنا جمال يعني هنقول إيه؟إحنا ماغلطناش.”
“هنا” شهقت بخفة من الجملة، ثم قالت بصوت منخفض لكنه واضح:
-“عشان هو شاب و إحنا بنات… ده سبب كافي إننا نغضّ بصرنا مش العكس.”
سادت لحظة صمت.
“نوران”تضرب الأرض بطرف حقيبتها:
-“طب ما هو طبيعي نبص يا هنا ، هنمشي مغمضين عيونا يعني؟”
هزت “هنا ” رأسها بنفي وقالت :
-” لأ يا حبيبتي ، نبص عادي بس الاستهانة بغضّ البصر هي المشكلة.”
قالت “ملك ” بانزعاج خفيف:
-“بس إحنا ماعملناش حاجة غلط قوي يعني بنتفرج وخلاص.”
رفعت “هنا ” حاجبيها وقالت بمزاح لطيف :
-“هو جيبه جينز قاعده تتفرجي عليها يا ملك؟ وبعدين انتِ عينك كانت هتطلع علي الراجل ، ناقص تقوليله هات صورة أنام عليها.”
-” مش للدرجادي يا هنا ؟ هسأل الراجل علي صورته!”
“هنا” بتشجيع :
-” أيوه اثبتي علي كده ..”
-” أنا هدور علي الأكونت بتاعه وهلاقي صوره هناك.”
نظرت لها “هنا” صدمه وقالت بضيق :
-” قومي من وشي يا ملك ، قومي ده أنتِ هتشيليني .”
ضحكت”ملك ” بخفه هي والفتيات واحتضنت “هنا” وقالت بهدوء :
-” بعد الشر عنك يا هنون ده أنتِ حبيبي ، طب قوليلي أعمل إيه؟ مهو بصراحة حلو يا هنا .”
ابتسمت” هنا “وربتت علي رأس صديقتها وقالت :
-” وعشان كده ربنا قال إيه؟
﴿قُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾
ماقالش لو الشخص وسيم وحلو ولا مش حلو ، سبحانه قال غُضّوا، وبس.”
“نوران”تتنحنح وتقول :
-“طب إحنا ماعملناش حاجة حرام ،يعني ماكلمناهوش.”
ابتسمت “هنا” ابتسامة هادئه وقالت :
-“هو لازم أكلم راجل عشان أغلط؟أصل الغلط بيبدأ من النظرة
من فكرة صغيرة بتتسرب لجوانا.”
صمتت البنات قليلًا…لكن داليا لم تستسلم بسهولهة وقالت :
-” نمشي مغمضين عيونا يعني ولا نعمل إيه؟”
هزت “هنا” رأسها بنفي وقالت بهدوء :
-” ربنا مقالش غمضوا عيونكم وأنتوا ماشين، لو ركزتي في الآيه هتلاقي “يغضضن من أبصارهن” مش “يغضضن أبصارهن”؟
علشان كلمة “من” بتدلّ على التقليل مش المنع التام.
يعني ربنا بيقول: قللّي نظرك… مش امنعيه بالكامل.
غضّ البصر مش معناه إننا نمشي وعيونا في الأرض طول الوقت ومانشوفش حد…لأ خالص،غضّ البصر معناه،إنك تشوفي الراجل اللي خارج دايرة محارمك قدر الحاجة فقط ، يعني تشوفيه عشان تتعاملي معاه في التعاملات اليوميه بتاعتنا نظرة تواصل وبس…تشوفي المدرس علشان تفهمي.تشوفي الموظف علشان تخلصي ورقك، تبصي للدكتور علشان تتعلمي منه أو تتابعي كلامه وتعليماته، وأنتِ في السوق والمواصلات وفي أي مكان طبيعي في رجاله وبنبص عشان نعرف نتعامل معاهم ،لكن المفروض ده يحصل من غير تطويل نظر ومن غير تمعّن ومن غير تتبّع ملامح ومن غير استمتاع بالنظر ومن غير تفاصيل مالهاش لازمة ومن غير ما تركزي في لون عيونه وعضلاته وشعره والكلام ده ،
غضّ البصر مش منع ولا قفل ولا حرمان ، ده حماية ليكم وللقلب.”
“ملك” بتساؤل “
-” القلب؟ مال النظرة ومال القلب يا هنا؟”
جلست فتاة ملامحها هادئه بجانب هنا وردَّت هي بابتسامة:
-” الرسول ﷺ قال:العينان تزنيان وزناهما النظر
وقال ﷺ لعليّ رضي الله عنه:
“يا علي، لا تُتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة”
وقال ﷺ:
“من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة”
كل دي أحاديث تخلينا نخاف من نظراتنا ، أي حاجة حرام وغلط بتبدأ من نظرة، أول خطوة للطريق الغلط… نظرة، نظرة ورا نظرة ممكن تخلي قلبك يتعلق ، فيزيد نظراته ف!! ممكن في النهاية يزني! عارفة أن الكلمة تقيلة؛ بس الحقيقة أن الزنا بيبدأ من نظرة .”
نظرت لها “هنا ” وابتسمت باتساع ، فقابلتها الفتاة بابتسامة مثلها
رفعت” ملك” عينيها للسقف، مستوعبة وقالت “نوران “:
-“طب أنتِ شايفة إن اللي عملناه غلط شرعًا؟”
“هنا” بهدوء :
-” مش أنا اللي شايفة ، بس أيوه، غلط شرعًا ونفسيًا.أنتِ عارفة إن النظر بيولد تعلق؟والتعلق ده لو اتولد غلط… بيكسر صاحبه وكمان كتر النظر بالتمعن والتركيز أوي كده بيأثر علي حياتك بعدين، في وقت هتشوفي جوزك وحش لمجرد إنك فضلتي ساعة تبصلي لممثل ولا أي حد وشوفتيه واو وشكله مثالي ! والرجالة برضوا كده ، ماشي يبص علي دي ودي ويركز في دي واللي عاملاه ، طبيعي هيحس أن مراته مش أجمل واحدة في الكون زي ما كان شايفها في الأول! أو أصلًا مش هيتجوز عشان مستني واحدة زي اللي بيشوفهم بالملي “
ساد صمت عميق بين البنات،كل واحدة بدأت تتصالح مع الفكرة في داخلها.
قالت “ملك”
-” عندك حق يا هنا ، وكمان لو حد عمل كده مع معيدة بنت… كنا هنولع الدنيا والله.”
ابتسمت “هنا ” وقالت:
“بالضبط.احترامنا لنفسنا مش بس إننا مانسمحش لحد يغلط فينا،
الاحترام الحقيقي إن احنا كمان مانغلطش.”
قالت “نوران ” وهي تغلق شنطتها:
-“ماشي يا ست هنون، اعتبري الرسالة وصلت واتحفظت كمان وهيتعمل بيها من دلوقتي.”
“ملك”وهي تضحك:
-” ماتقلقيش يا هنا ، السيكشن الجاي مش هركز في عيونه الزرقة ولا أي حاجة ، هركز في المادة .”
“هنا”بمزاح هادئ:
-” لأ أنتِ ماتجيش خالص .”
ضحكن جميعًا وانطلقوا خارج المسجد ، ماعدا ” هنا ” بقيت بداخله ونظرت للفتاة الجالسة بجوارها وقالت وهي تقدم نفسها :
-” أنا هنا المهدي ، في تالته طب بشري ، بجد كلامك كان حلو أوي ربنا يبارك فيكِ .”
ابتسمت الفتاة وقالت بحماس:
-” وأنا فريدة محمود ، في تانية طب برضوا ، ممكن نبقي صحاب بقي عشان أنا ماعنديش صحاب في الكلية دي .”
ضحكت “هنا ” وقالت بترحاب :
-” أحنا بقينا صحاب أصلًا يا بنتي ، هاتي تليفونك اسجلك رقمي.”
تبادلوا الأرقام وودعتها “هنا ” وخرجت من المسجد بخطوات هادئة، وما يزال أثرُ السكينة ينساب في صدرها بعد الصلاة، غير أنّ قلبها كان مشغولًا بسارة منذ الصباح. نظرت حولها فلم تجدها مع البنات، فأمسكت هاتفها واتصلت بها.
جاء صوت “سارة “لاهثًا قليلًا من المشي:
-“ألو… أنا لسه واصلة الكلية يا هنا.”
“هنا” رفعت حاجبها بدهشة خفيفة، وقالت بنبرة جمعت بين اللين والقلق:
-“طب تعالي قدام المسجد.. مستنياكِ.”
وافقت سارة وأغلقت الخط، فجلست هنا على الدرجة الرخامية أمام مدخل المسجد، والطلاب يمرون حولها ذهابًا وإيابًا، بينما الهواء يحمل خليطًا من رائحة الكتب والقهوة.
لم يمرّ وقت طويل حتى ظهرت سارة من بعيد، تتلفت حولها بحثًا عن هنا. كانت تمشي بثقة ظاهرة، لكن في عينيها شيء مضطرب. وما إن اقتربت حتى اتسعت عينا هنا قليلًا دون أن تتحدث؛ فقد بدا خصلات من شعر سارة تتسرب من طرف حجابها بشكل مقصود.
وقفت سارة أمامها مبتسمة:
-“إيه يا ستّ هنا قاعده لوحدك ليه؟”
“هنا” نظرت إليها طويلاً، نظرة ممزوجة بالدهشة والخوف والحزن… ثم قالت بهدوء:
-“سارة شعرك ظاهر من طرحتك! ادخلي الحمام وظبتطي حجابك يا حبيبتي “
“سارة” حاولت تضحك، لكنها تقريبًا كانت بتتفادى عيون “هنا”:
-” آه مانا عارفهة؟ شعرتين مايقعوش السما يعني وشكلهم حلو”
نظرت لها “هنا ” بصدمه لوهلة قصيرة، وقالت بتساؤل:
-” أنتِ كويسة؟”
هزّت “سارة “كتفيها بلا مبالاة مصطنعة:
-“كويسة و مرتاحة.”
تنهدت “هنا “ببطء، ثم أشارت إلى الحجاب:
-“عمرو اللي قالّك تعملي كده، صح ؟ أنتِ لسه علي علاقة بيه ؟”
“سارة “تفاجأت من سرعة كشف هنا للحقيقة، فعَضّت شفتها وقالت بنبرة دفاعية:
-“هو شايف إن شكلي كده أحلى ، وبيحب يشوفني كده، وكمان هيبقي خطيبي يا هنا وبيخاف عليا وعايز يشوفني جميلة .”
رفعت “هنا” رأسها فجأة، بعينين واسعتين وفيهما هزة غضب مكتومة:
-“خطيبك؟! انتي نفسك قولتِ قبل كده إنه لسه بيفكر ومابيشتغلش ومابيذاكرش… ومابيحلمش غير بالبنات. أنتِ اللي قولتي مش أنا، يبقي أزاي تثقي فيه.”
ظهرت العصبية علي وجه “سارة ” وقالت:
-“وماله يعني؟ هيتغير الناس بتتغير.”
“هنا” اقتربت منها خطوة، وملامحها صارت واضحة،مزيج من خوف وقهر:
-“سارة أنتِ فاهمة يعني إيه واحد يقولك بيني شوية شعر؟
فاهمة ده معناه إيه؟ ده مابيحبكيش يا حبيبتي ، لو بيحبك هيغير عليكِ من الناس ، دمه هيتحرق لو حد شاف منك شعره ، مش هو اللي يقولك اظهري نفسك للناس! لو كان بيحبك بجد… كان حافظ عليكِ، مش شجعك تعملي حاجة تغضب ربنا.”
“سارة “ضحكت ضحكة صغيرة بهاعصبية:
-“الله! بقى أنتِ اللي فاهمة الحب؟! أنتِ اللي عمرك ما حبيتي؟!”
تجمد وجه “هنا “للحظة… لكنّها تماسكت:
-” يا سارة أنتِ مش محتاجة حد يحبك بطريقة تكسر صورتك عند ربنا وقدام نفسك، انتِ محتاجة حد يحبك ويخاف عليكي، مش يضيعك.”
“سارة” نظرت لها بسخرية صادمة:
-“آه، غيرانة صح؟ بقت واضحة أوي يا هنا.”
اتصدمت “هنا”عينها اتسعت وكأن الكلام وقع علي قلبها كالنار :
-“غيرة؟! أنا؟!أنتِ بتقولي إيه؟!”
“سارة” أشاحت بوجهها:
-“عمرو قالّي من زمان إنك هتبعديني عنه… وإنك بتغيري مني، وبتصعّبي عليا حياتي لإنك مش عايزاني املك على حاجة أنتِ محرومة منها ، بتغيري مني عشان عندي أب وأم وأنتِ لأ ، ودلوقتي بتغيري مني عشان لقيت حد يحبني وأحبه وأنتِ كل ولاد الجامعة بتخاف تقرب منك عشان قفل .”
“هنا “ابتسمت ابتسامة قصيرة لكنها مصدومة بشدة، ورفعت يدها تمسح دمعة تساقطت منها :
-“محرومة؟أنا بخاف عليكِ يا سارة لدرجة إني بدعي لك كل يوم.
بدعي ربنا يحفظك من كل حاجة مؤذية أنتِ مش فاهمة؟أنا مش ضد الحب، أنا ضد الضياع.”
لكن “سارة” لم تكن في حالة تسمح بالسماع، وتوترها كان يُغذي غضبها:
-“أنتِ مش أمي ولا وصية عليا… وأنا حرة.وبصراحة مش قادرة أتعامل مع نصايحك كل يوم!أنتِ دايمًا شايفة نفسك الصح والناس غلط.”
تنفست “هنا”بقوة، وحاولت المحافظة على هدوئها، وقالت بصوت منخفض لكنه ثابت:
-“أنا ماقولتش إني الصح،بس اللي بيحب صاحبه يخاف عليه.
وانا خايفة عليك يا سارة خايفة جدًا.”
“سارة “صاحت فجأة:
-“أنا مش محتاجة خوفك!ومش عايزاكِ في حياتي تاني.ابعدي عني يا هنا”
صمت المكان فجأة، وكأن الدنيا حبست أنفاسها،الطلاب بيمرّوا… أصوات بعيدة… لكن بين البنتين كان هناك صمت مؤلم.
“هنا “نظرت لها نظرة طويلة بها دموع محبوسة، وسؤال وحزن ثم قالت بهدوء يشبه انكسارًا صغيرًا:
-“لو ده اللي يريحك أنا هبعد..بس هفضل دايمًا بدعيلِك.”
سارة لم ترد.
استدارت ومشت بخطوات سريعة…
وتركت هنا واقفة وحدها أمام المسجد، تراقب ظلّ صديقتها يبتعد وشيء بداخلها ينهار ببطء لكنها تحاول تثبيته بذكْر في قلبها:
-اللهم اهْدِها… واهدِ قلوبنا جميعًا.
…………….
كان النهار في منتصفه، والشمس تنحدر من أعلى السماء في خطوط صافية تنعكس على زجاج المعرض الواسع، فتُضفي على المكان بريقًا يضاعف من حضور السيارات المتراصّة بانتظام كأنها في عرضٍ رسمي مُحكم.
كانت الحركة داخل المعرض نشيطة؛ زبائن يتجوّلون، وأحاديث متداخلة بين البيع والشراء، وصوت خافت لأجهزة الفحص يُكمل خلفية المشهد. وكان الهواء يحمل مزيجًا من رائحة البنزين والجلد الجديد، تلك الرائحة التي لا تخطئها ذاكرة أي عاشقٍ للسيارات.
فُتح باب المعرض بهدوء، ودخل “يوسف” بخطواته الواثقة المعتادة، تلك الخطوات التي يعرفها الجميع قبل أن يلمحوا وجهه. كانت ابتسامته تمنح للحضور جوًا من الودّ، وكأن دخوله يخفّف من توتّر المكان دون جهد.
وما إن تقدّم قليلًا حتى ظهر “علي “من جوار الباب، وقد اعتدل في وقفته ومسح على ياقة قميصه كعادته قبل استقبال أي ضيف ذي قيمة. قال بصوتٍ مليء بالحفاوة والمرح:
ـ “يا أهلا يا أهلا بعمّ الهندسة والنجارة والروح الجميلة! نَوَّرت يا باشمهندس يوسف.”
ارتسمت على وجه “يوسف “ضحكة عالية خفيفة، وتقدّم نحو “علي” ليعانقه بحرارة، وقال:
ـ “كُل عقلي بكلامك يا علي ما انتَ شغال مع مهاب، لازم تتعلم الكلام الحلو ده وتشربه شُرب.”
رافقه “علي “وهو يشير له بالدخول، وعيناه تتنقلان بين السيارات:
ـ” بنرحّب بيك يا غالي هو انتَّ أي حد! “
وقبل أن يستكملا حديثهما، خرج” حمادة “من بين صفوف السيارات، يمسح يديه بفوطة صغيرة، ويتقدّم بخطوات سريعة نحو يوسف، ثم قال بصوتٍ صادح:
ـ “لأ مش أي حد! ده صاحب عمّنا وعمّ عيالنا! المعرض نَوَّر يا معلم يوسف.”
ابتسم” يوسف” وسلّم عليه بحرارة ثم رفع عينيه إلى السقف المزدحم بالمصابيح، وقال بنبرة ساخرة مرحة:
ـ” ده نور ربنا ونور السقف يا رجالة ده انتوا مولّعين الدنيا لمبات! إيه كميه اللمبات دي ؟ هو انتوا مابتدفعوش كهربا ولا إيه؟ ولا سارقينها؟”
تعالت الضحكات، وقبل أن يرد أحد، جاء صوت “مهاب “من عمق المعرض، ثابتًا، ساخرًا بعض الشيء، لكنه يحمل دفئًا مألوفًا:
-“بندفع يا ابني إنتَ جاي تشكّك الناس فينا؟ الزباين تقول علينا حرامية بسببك يا معلم يوسف! هدي اللعب شوية .”
التفت “يوسف” نحو الزبائن الذين كانوا يتفحّصون إحدى السيارات، ثم قال بخفة ظل:
ـ ” الكدب خيبة! الراجل ده مالوش في السرقة… غير سرقة القلوب بس.”
ضحك الزبائن، وتلاشت أي رسمية كانت موجودة منذ لحظات، ابتسم “مهاب “ثم قال موجّهًا حديثه ليوسف:
ـ” تعالى على المكتب يلا .”
لكن “يوسف” لوّح بيده رافضًا:
ـ” لأ يا باشا، تعالى أنتَ، إحنا متفقين نتحرك فورًا، ومش عايزين نتأخر.”
توقف مهاب لحظة، ثم هزّ رأسه مستسلمًا لفكرته، وتوجّه نحو مكتبه والتقط مفاتيح سيارته و قلّبه بين أصابعه باعتياد، ثم عاد نحو يوسف.
ـ” يلا يا صاحبي .”
غادرا المعرض معًا بخطوات ثابتة، وصوت البلاط يتردد تحت أحذيتهما، بينما بقي المعرض خلفهما يعود تدريجيًا إلى صخبه وحركته المعتادة، وقد تركت زيارة يوسف أثرًا طيبًا في النفوس كعادتها. كان الهواء في السيارة ثابتًا هادئًا، يتخلله ضوء الشمس المائل للغروب، مُنعكسًا على لوحة القيادة، بينما مضت السيارة في طريق شبه خالٍ، يقطع سكونه بين الحين والآخر صوت محرك السيارة الذي يتحرك بنعومة تحت يد مهاب. كان يوسف يجلس بجواره، يتأمل الطريق بعينٍ تعرف وجهتها جيدًا، بينما ترك صاحبه في حيرة متعمّدة.
التفت “مهاب “إليه فجأة، حاجباه مرفوعان في مزيج من الفضول والضيق الخفيف:
ـ “مش ناوي تقولي رايحين فين كده؟ ولا ناوي تفضل تقلان عليا لحد ما نوصل؟”
ألقى “يوسف” رأسه للخلف مستمتعًا بفضول صاحبه، وقال بكسل متعمَّد:
ـ” لأ… أنا رخم، ومش هتعرف غير لما نوصل. ادخل الشمال اللي جاي ده.”
هزّ” مهاب” رأسه بنفاد صبر محبّ، ثم انعطف كما قال يوسف، وظل يقود في صمت لدقيقة كاملة، قبل أن يشير “يوسف” فجأة:
ـ “بس… اركن هنا بقى.”
أمال “مهاب” رأسه نحوه مبتسمًا ابتسامة نصفها ضيق ونصفها حبّ لصاحبه:
ـ “بخاف من دماغك… بس خليني وراك.”
توقفت السيارة عند رصيف واسع أمام مبنى ضخم يجري العمل على تشطيبه. نزل الاثنان، وكان يوسف هو أوّل من خطا نحو المبنى، لكنه فجأة مدّ يده وأمسك يد مهاب بحماس طفولي لا يظهر إلا معه وحده. جرّه معه بثقة، كمن يمسك بيده ليقوده إلى سرّ كبير.
وقفا أمام المبنى الكبير الذي ما تزال واجهته تحت الإصلاح. أنوار العمل تُضيء الداخل، وصوت الشنيور والعمال يعلو ويهبط في توقّف “مهاب”، ونظر إلى يوسف نظرة لم تكن مجرد سؤال؛ كانت نظرة شخصٍ يعرف صاحبه من قلبه:
ـ “هندخل هنا؟”
ابتسم “يوسف “بثقة وقال:
ـ “أيوه.”
لمعت عينا” مهاب” بترقّب، ونظ للمكان فقال بنبرة عدم تصديق:
ـ” لو اللي في دماغي صح… يبقى انت كده أخويا وصاحبي وحبيبي والله.”
ضحك “يوسف” ضحكة عالية، وضغط على يد مهاب ليقرّبه منه أكثر، ثم دخلا المكان. وبمجرد أن ظهر يوسف داخل الصالة الكبيرة، توقف العمال لحظة عن أعمالهم، ثم قال أحدهم بصوت مرتفع:
ـ “نورت يا معلم يوسف!”
ورد آخر:
ـ “أحلى يوسف! كله تمام ماتقلقش!”
بينما حافظ يوسف على مسكة يده لمهاب، كأنه يصرّ أن يصل معه للمنتصف دون أن يتركه.
وحين وصلا إلى قلب المكان، الذي اتسع على نحوٍ يكشف عن تصميم لم يكتمل بعد، توقّف يوسف، وفتح يديه في حركة مسرحية محبّبة إليه:
ـ “مرحب بيك في معرض يوسف النجار! هو شِركه بس وماله، عادي.”
اتّسعت عينا “مهاب” فجأة، وبدا الفرح وهو يندفع إلى ملامحه دفعة واحدة. لم يحتمل أن يظل واقفًا، ففتح ذراعيه بسرعة واحتضن يوسف بقوة:
ـ “يخربيت عقلك ، أحلى مفاجأة في الدنيا! والله مبارك يا صاحبي واخيرًا ، لقد هرمنا يا جدع .”
ابتسم “يوسف” داخل حضنه، نبرة امتنان خفيفة في صدره:
ـ” تسلم يا أخويا ، كله بوقته .”
وحين ابتعدا قليلًا عن بعضهما، ضربه “مهاب “على صدره ضربة قوية، جعلت يوسف يصرخ بخفة:
ـ “بس ليه شركة يا حيوان؟ ماخدتوش لوحدك ليه؟”
وضع “يوسف” يده على المكان الذي ضَرَبه فيه، وقال ساخرًا:
ـ” حسبي الله فيك يا ابن عم عامر… كده تضربني وتضيع فرحتي؟”
لم يرد عليه مهاب فقال بهدوء :
-“عشان أنا ماعيش سيولة لمعرض كامل يا مهاب ، المكان ده ملك مش إيجار ، فشوف بقي انت مكان زي ده كنت هشتريه لوحدي بكام ده غير تشطيبه وتجهزيه وفرشة لالا حوار وفلوس كتير ، أنا كده كويس أوي .
“مهاب” بتسرع وعتاب حقيقي:
-ؤ وأنا فين من ده كله يا يوسف؟ كنت هغطي معاك أي مبلغ ، ماجتش قولتلي ليه؟ ولا من غير ما تقولي أصلًا ، انت بس تقولي عايز كذا وانا والله ما هسالك ليه حتي، ده أنا كلي ملكك ، هبخل عليك بشوية فلوس؟”
“يوسف” بابتسامه وهو يربت علي كتف مهاب بمحبه وأمتنان : —“عارف يا اخويا والله ، بس أنا حبيت أعتمد علي نفسي يا مهاب ، حابب المكان اللي بحلم بيه بقالي كتير أنا اللي ادفع فيه كل جنية من شغلي وتعبي ، وبعدين ماتقلقش من موضوع الشراكة ، انا شريك مع الحاج عبدالمقصود وانت عارفة كويس وكمان انا ظبطت بنود العقد كويس عشان لو حصل حاجة ، بس إن شاء الله مايحصلش بيني وبينه أي خلاف.”
“مهاب” قال بضحك :
-“مين ده اللي يتخالف مع يوسف النجار ، هو انت في منك يالا.”
“يوسف” بضحك وغرور :
-“هو يوسف واحد بس .”
نظر له “مهاب ” نظرة سخرية مصطنعة وقال :
-” ماهو لو في تاني كانت الدنيا خربت… يلا وسّع من وشي، عايز أفرج على المكان اللي هجيب منه فرش شقة بنت خالتك.”
انفجر “يوسف” ضحكًا:
ـ “يا واد يا واثق!”
“مهاب” بنبرة جدية مازحة:
ـ” وياريت تعمل دور فوق للأجهزة الكهربائية والفرش التاني… عشان نلم الحاجة كلها من هنا ونرتاح.”
رفع “يوسف” حاجبيه بخبث:
ـ” الدور التالت أصلاً معرض أجهزة كهربائية.”
تجمّدت ملامح “مهاب” قبل أن تتسع عيناه بدهشة مضحكة:
ـ “أحلف؟ ده أنا هبات هنا!”
ضحك “يوسف “بصوت عالٍ، ثم أخذ بيد” مهاب” مرة ثانية، وجذبه ليتجولا في المكان والأسلاك تتدلّى من السقف، والعمال يتحركون بين الأخشاب والدهانات. لكن رغم الفوضى… كان المكان ينبض بحلمٍ يتحقق، بعرق وجهد وشغف، وكل خطوة فيه كانت تقول أن يوسف لم يبنِ معرضًا فقط… بل بنى جزءًا من نفسه.
كان صوت الأغاني يملأ الغرفة بانطلاقٍ صاخب، يختلط بإيقاع خطوات” شهد” فوق الأرض وكأنها تتحرّك على نغمٍ خاص بها. كانت تقف أمام المرآة، تنحني قليلًا لتضبط الحذاء اللامع، ثم ترفع رأسها فتلمع عيناها بلونٍ حادّ يشبه ثقتها.
كانت ترتدي بلوزة ضيّقة تُبرز مفاتنها، وبنطالًا أسود يلتصق بالساقين التصاقًا يؤكّد أنها تعي تمامًا ما تفعل. مدّت يدها إلى علبة العطر، ورفعت ذراعها بخفة فتناثر رذاذ قويّ عطّر الهواء وهزّته رائحة حلوة نافذة.
بينما كانت تميل على التسريحة تضع لمسات الهايلايتر على وجنتيها، اهتزّ هاتفها فوق السرير.
التقطته بيد سريعة، وضغطت على زرّ الإجابة وهي لا تزال تنظر لنفسها في المرآة.
قالت بصوتٍ منخفضٍ ناعم، يحمل غنجًا محسوبًا:
-“آه… ايوه يا حبيبي…”
ابتسمت وهي تسحب خصلة من شعرها خارج الحجاب.
-“لأ… خلاص، أنا جاية… مسافة السكة… وهتلاقيني عندك.”
صوت الرجل على الطرف الآخر كان دافئًا، مطمئنًا، فأمالت رأسها بخفة وقالت بضحكة قصيرة:
-“انتَ كمان وحشتني… اقفل بقا عشان ألحق أنزل.”
أغلقت المكالمة، تنفست بعمق، وشدّت زِمام حقيبتها الجلدية السوداء. ضغطت بإصبعها على زرّ إيقاف الأغنية، فانطفأ الصخب فجأة وبقيت الغرفة عامرة برائحة العطر.
فتحت الباب وخرجت بخطوات ثابتة،في الصالة، كانت والدتها سعاد جالسة، تتابعها بعينٍ فاحصة تحمل شيئًا من التوجس وشيئًا من الحقد الكامن.
وقفت “شهد” في منتصف الصالة تُعدّل ملابسها، فرفعت أمها حاجبها وقالت بنبرةٍ مشككة:
-“رايحة فين كده يا شهد؟ رايحة بيت عمّك ؟”
توقفت “شهد” لحظة، جلست أمامها بجرأة، ثم قالت وهي تتأمل أظافرها بعناية:
-“هو مافيش غير بيت عمّي يعني يا ماما؟ لأ أنا خارجة مع صحابي شوية.”
عقدت “سعاد “شفاها بضيق، ومالت بجسدها للأمام وقالت:
-“والشياكة دي كلها عشان صحابِك؟”
ثم أشارت إلى مكياجها:
-“والأحمر والأخضر اللي في وشّك ده؟”
هزّت رأسها بخيبة:
-“كُنت فاكرة إنك بقيتِ ناصحة وعملتِ كده عشان تروحي بيت عمّك يمكن تلاقي مهاب هناك.”
رفعت “شهد “عينها بحدة، وكأن الأم أصابت نقطة حسّاسة.
أكملت سعاد بنبرة جادة:
“”وبعدين خارجين فين دلوقتي؟ الدنيا صيام… وكل الأماكن قافلة.”
اتكأت “شهد “بظهرها على الكنبة، وقالت بثقة مُعلنة:
-“هنقعد مع بعض لحدّ الفطار وبعدها هنروح مطعم نفطر فيه. أنا قايلة لِبابا وهو وافق.”
ضحكت أمها بسخرية قصيرة:
-“أبوكِ؟”
ثم لوّحت بيدها كأنه رأيه لا قيمة له.
-“أبوك مايعرفش مصلحتك زيي.”
انتصبت “سعاد” في جلستها فجأة، نبرة صوتها انخفضت ولكن حدّتها ازدادت:
-“يا شهد ركّزي مع مهاب شوية. الواد هيروح مننا هيروح ليها ويسيبك!”
حدقت في ابنتها بعينين ضيّقتين:
“ترضيه يرفضك؟ يرفض شهد البرّاق؟ النسب والجمال ويروح لبتاعة الفول والطعمية؟ ترضيها علي كرامتك أنك تدخلي بيت بعد كده تلاقي البت دي بقت ست البيت والمالكة كل حاجة بما فيهم مهاب “
توقفت أنفاس “شهد “لحظة.
شعرت بنار في صدرها، نار تعرفها جيدًا.
نظرت لأمها نظرة متحفّزة قاسية وقالت:
-“أنا عمري ما أسيب حد ياخد مني حاجة… ولا ياخد مكاني. بس…”
اقتحمت” سعاد” الجملة بسرعة:
-“بس إيه يا بنتي؟”
تنهدت” شهد”، وأخفضت صوتها قليلًا:
-“أوقات بحسّ إنه مش ضايقني يا ماما.”
نظرت بعيدًا كأنها تخاف من الاعتراف.
-“مابيحبّنيش…”
ابتسمت “سعاد” ابتسامة خبيثة، اقتربت من ابنتها وربتت على يدها بحنانٍ مصطنع:
-“بس أنتِ بتحبيه، صح؟”
لم تجب “شهد”. فقالت “سعاد”، بنبرة محنّكة:
-“واحنا يا حبيبتي مش محتاجين غير كده. حبك كفاية… واهتمامك يكفي. خليه يشوفك،خليه يتعوّد عليكي… يتعود إنك موجودة في حياته اظهري حبك واهتمامك بيه. ومع الوقت هيشوفك وهتعجبيه و هيتجوزك.”
ثم أضافت بابتسامة مُسمّمة:
-“وهو ده اللي أنتِ عايزاه… صح؟”
رفعت “شهد “ذقنها بغرور، غرور زرعته أمها منذ سنوات:
-“أيوه… ومش هسمح للبت دي تدخل عيلة البرّاق ولا تاخد مهاب مني.”
صفقت” سعاد” بخفة على كتف ابنتها وقالت:
-“هي دي بنتي اللي ما تسمحش لحد ياخد منها حاجة.”
وقفت” شهد”، تصلح طرف بلوزتها ،قالت وهي تستعد للرحيل:
-“أنا خارجة دلوقتي ، ولو تأخرت شوية هغطي عليا.”
ردت” سعاد “بابتسامة عريضة:
-“براحتك يا حبيبتي وبالمناسبة…”
اقتربت منها وأخفضت صوتها:
-“بكرا هنعزم عمّك وعياله على الفطار. فرصة ليكِ يا شهد.”
لمعت عينا “شهد” ورفعت حاجبها بابتسامة انتصار صغيرة:
-“فرصة… وأنا مش هسيبها.”
ثم لوّحت بيدها:
-“يلا سلام يا مامتي.”
خرجت بخطوات ثابتة تحمل ثقة وباطنها يحمل قلقًا لا تشاركه أحدًا.
—
كان الهواء خارج الحارة أكثر هدوءًا من داخلها. مشت شهد بخطوات سريعة، تتلفت حولها لتتأكد من أن أحدًا لا يراها.
لم يمرّ سوى لحظات حتى رأت السيارة السوداء تقف إلى جانب الطريق.
ابتسمت… ابتسامة مختلفة تمامًا عن كل ابتساماتها داخل البيت.
فتحت الباب، جلست بسرعة، وأغلقته بإحكام.
ما إن التفت نحوه حتى انحنت عليه وحضنته بشغف مكبوت وقالت بصوت ناعم:
-“وحشتني يا حبيبي…”
ثم همست وهي تطالع الطريق:
-“يلا… امشي من هنا. لحد يشوفنا.”
ضحك هو بخفوت، مرّر يده على خدّها وقبّلها قبلة قصيرة وقال بثقة:
-“ما تخافيش يا شهودتي، ماحدش هيشوفنا.”
سألها بابتسامة تحمل نبرة تلميح:
-“نخرج برا… ولا نروح مكانّا؟”
ضحكت ضحكة متدلّلة، مالت على المقعد وقالت:
-“لأ على مكانّا. يلا.”
ضحك بصوت أعلى قليلًا، وأدار المحرّك:
-“يلا بينا.”
انطلقت السيارة، والمكان الذي تتجّه إليه شهد…
لم يكن إلا دليلًا إضافيًا أن طريقها مظلم، وأن كل خطوة تبعدها أكثر عن الصورة التي تريد أمها أن تراها عليها… لكنها في الوقت نفسه تظن أنها تقترب من مهاب.وهي لا تدري…
أن الطريقين لا يجتمعان أبدًا.
