رواية ظل البراق الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم مريمة


 رواية ظل البراق الفصل الواحد والعشرون 

الحياة نهر جار لا يعود إلى الوراء، وكل يوم يمر هو فرصة لا تتكرر فيها الفرح والحزن، اللقاء والفراق النجاح والخطأ، وكل تجربة تحمل في طياتها دروشا لا تقدر بثمن، فمن فهم الحياة عرف قيمتها، ومن استسلم لها ضل طريقه.

كانت الشقة غارقة في صمت تقبل ذلك النوع من الصمت الذي يولد من قلب الانفعال، لا من غياب الأصوات. جلست "رقية على الكرسي الخشبي قرب الطاولة الصغيرة، ظهرها مستقيم رغم الإرهاق، وملامحها معقودة في غضب صامت حاجباها مشدودان و عيناها تلمعان بتوتر لخفي، كانت أصابعها تضرب على ركبتها بانتظام يشبه طرقات الاستباء.

أمامها وقف" سيف" متحجر الملامح كتفاه متحنيتان قليلا، وعيناه متعلقتان بوجه شقيقته كانه ينتظر منها رحمة لن تأتي، وحين اشتد غضبها عليه جلس وحده على أقصى حافة الكتبة. ذراعاد متشابكتان أمام صدره، يتنفس بعمق، وكأنه يحبس كلمات كثيرة.

لم تمر دقائق حتى تحرك فجأة، ونهض، ثم تقدم ببطء نحو رقية، وجلس على الأرض أمامها. واضعا يديه على فخذيها في محاولة لتهدئتها.

رفع رأسه اليها وقال بنيرة منخفضة ترجف برجاء صادق

ليه بس يا رقبة، والله هذاكر كويس"

رمقته بنظرة حادة، وكأنها تذكره بكل ما مر به اتسعت عيناها، والفرجت سفتاها بغيظ مكتوم قبل أن تنفجر قائلة، وهي تميل بجسدها للأمام.

يابني انت في ايه ولا فيه ايه ؟ مذاكرة ايه دلوقتي باللي انت فيه ده ؟ انت مش شايف نفسك يا سيف ؟ لمسألة أصغر زي اللمونه وبتعذي اليوم بيومه بالعافية مذاكرة ايه دي بقى ومتابعة الدروس؟ أنا أقول السنة دي هتأجل يبقى خلاص هتأجل!"

ارتعشت كتفا "سيف"، لكن عينيه لم تبتعدا عنها، ظل صوته يحمل عنادا صغيرا لكنه واضح

بس أنا مش عايز كده.... تأجيل ايه ده پس؟ هو أنا لسه هعيد السنة من أولها تاني؟"

شهقت "رقبة" بفيظ واضح، وقالت بسخريه

"لا يالا ادخل الإمتحانات وشيلك كام مادة، فنفسيتك تتدمر وتضيع مني تاني؟ أبو الثانوية على الامتحانات يا أخي مش عايزاك تكمل تعليمك يا عم المهم عندي إنك تخلص علاجك على خبر وترجع كويس، والعمر قدامك ابقى اتعلم براحتك!"

من خلفهما تدخلت خالتها، كانت تقف قرب الباب بداها معقودتان تحت صدرها، ملامح القلق واضحة في تجاعيد عينيها.

قالت بتأیید حازم:

اختك عندها حق يا سيف ده أنت يا حبيبي ما بتأ كنشولا تشرب كويس وبتأخد أدوية كتير وكمان بيخرج من جسمك سم، يبقي ثانوية إيه دي اللي تكملها ؟"

استدارت "رقية" إليها بحدة، والصدمة ظاهرة على وجهها:

ما بيأكلش ؟! والأستاذ ما بيا كلش ليه ؟ احنا هنستهبل ؟ أنت خالتك مدلعاك أصلا ، مهي لو

مسكنك علقتك كنت منتتظبط وتأكل كويس ؟"

رفع "سيف " يديه مستسلما، وتنهد يزهق واضح

صايم صايم صايم يا عالم والله احنا في رمضان.....

لم تتكمل جملته، ففي لحظة خاطفة ارتفع شيشها في الهواء وهي تمسكه بيدها اليمنى، ووجهها يشتعل غضبا، قفز سيف الخلف بسرعة، ينسحب بخفة من أمامها وهو يعرف تماما ما ينتظره إذا اقتربت منه.

تقدمت نحوه بخطوات سريعة، وعيناها تتوهجان:

رمضان مین یا ابو رمضان؟ الدكتور مش قايلك امبارح ما فيش صيام الأسبوع ده وهنبدأ نصوم تدريجي الأسبوع اللي جاي 15 انت عايز تجلني يا وادي العلاج مش هيجيب نتيجة مع قلة تغذيتك يا جزمة قديمة !"

ظل يجري منها يخفة، وهي خلفه تلوح بالشيشب تلوى صوته بين الضحك والخوف:

طب اهدي بس كده ... والله أنا كويس ومهاب كلم الدكتور قبل الفجر وقال ماشي يصوم بس لو حس يتعب يقطر... واحدا أهو الظهر أذن من زمان وأنا كويس وما حصلش حاجة وهعوض ده بالليل... هاكل كثيرا"

أمسكت به أخيرا من طرف قميصه، وجذبته إليها، نهزه بعنف أمومي، عيناها تمتلكان بدموع غضب وخوف

" أنت ليه مستهتر كده ؟! أنت بتتعالج من الإدمان مش من شوية بردا إيه السهولة اللي بتتعامل بيها دي ؟! لا ... وجاي تقولي هكمل الثانوية ومش هاجل ... ده أنا هنفحك !"

أبعد يديها بلطف هذه المرة، ليستقوى فقط بما بدا داخله من ثقة جديدة، ثم رفع رأسه لينظر في عينيها مباشرة وقال بصوت هادي لكنه ثابت

"أنا مش ناسي إلي بتعالج من الإدمان يا رقية ... بس أنا عديت أصعب مرحلة. ونسبته في جسمي بقت شبه معدومة، وبقيت واعي بنفسي وباللي كنت فيه مش حابب أخسر تاني وتعليمي هو الحاجة الوحيدة اللي هتوقفتي على رجلي، وكمان لسه حوالي شهرين ونص ولا ثلت شهور على الامتحانات هلحق ألم فيهم والله... عارف إني قصرت جامد الفترة اللي فانت. بس ملحق بإذن الله. أنت بس ما تأجليش لها السنة ؟ وحياتي عندك يا رقية "

ساد الصمت.

كانت رقية تنظر إليه أنفاسها لا تزال متسارعة من شدة الانفعال، لكن عليها ... قلبها كان يلين.

قطع الصمت صوت " إبراهيم"، زوج خالتها، الذي كان يجلس على كرسيه المتحرك يراقب المشهد منذ بدايته. وضع كفيه فوق ركبتيه وانحنى قليلا للأمام، وقال بوقار هادئ سيف دماغه حلوه يا رقية وذكي، وهيعرف يلم مذاكرته، ويدخل الامتحانات، ويجيب درجات كويسة كمان اه الوقت قليل... بس برضه كويس ويلحق فيهم. ربنا بيبارك في الوقت والجهد لما يشوف منا السعي والعزيمة "

تنهدت "رقية " بضيق بالغ:

الوقت متأخر أوي يا عمو...."

هز رأسه نافيا بقوة، وعيناه تتسعان بحماسة الحكمة:

سيدنا سعد بن معاذ عمل في الثلث سنين اللي أسلم فيهم اللي ما عملوش اللي أسلم من سنين كثير قبله يا بنتي ده عرش الرحمن اهتز لموته تخيلي ده عند ربنا ايه؟ ما فيش حاجة اسمها. متأخر يا رقية اللي عايز يلحق بيلحق، واللي عايز يسعى بيسعى، وفي الآخر التوفيق بتاع ربنا ... يديه للي عايزه. إحنا علينا بس تطلب من ربنا التوفيق ويبارك في وقتنا وجهدنا.... وتمشي في الطريق، وربك يكرم "

رفعت رقية نظرها إلى سيف كان يقف أمامها كطفل صغير، يعبث بشعره من التوتر، وعيناه تلمعان برجاء صادق.

قالت بصوت أكثر هدوءا وهي تتلاعب في شعره، وقد خفت حدة وجهها:

" أنا ما يهفنيش الدرجات كل اللي يهمني إنك تبقى كويس هجبلك كتبك اللي عايناها بعيد عن إخواتك.... لأنها المفروض معاك وشوف انت يقى هتكمل دروسك على اليوتيوب ولا منصة ولا ايه شوف اللي يريحك وأنا معاك يا ابن المهدي "

صرخ "سيف" بفرح حقيقي الدفع نحوها يعانقها بعنف ممتن، وابتسامة واسعة تضيء وجهه:

"أحلى أخت في العالم والله"

لم تستطع منع نفسها من الابتسام وعانقته بحنان وهي تربت على ظهره ، وبعد توالي التقتت

نحو خالتها وقالت بنبرة هادئه

تعالي معايا بقي خدي كتيه والبنات مش في البيت ... هنا في الكلية قدامها للمغرب لما تيجي ونور في الصيدلية متخلص شغل المغرب برضه."

مزت" سمية" رأسها سريعا، ورفعت طرحتها قليلا على كتفها وهي تقول بابتسامة صغيرة:

طيب بالا يا روقا"

ثم استدارت نحو إبراهيم" وقالت بتساؤل:

هتنزل ولا متفضل هنا ؟"

عمل لها بخفة مرحة، ورفع حاجبه

لا هفضل مع سيف أخسره دورين شطرنج عبال ما تيجي "

قهقه " سيف " يخفة وهو يرفع رأسه بثقة مفتعلة:

" وأنا مستعد... عشان أخسرك "

نظرت لهم " رقية " وضحكت وهي تقول بغلب وسخرية طفيفة

سبحان الله لا يقين على بعض أنتوا الأثنين.... يلا يا خالتو عشان ما تأخرش على المطعم ."

مال" ابراهيم" قليلا نحو "سيف" الواقف بجواره، وضربه بكوعه يخفة أبوية، وهو يهمس ضاحكا:

"أختك دي يتخاف منها، بس مش خسارة في الغالي هيبقوا حلة ولقت غطاها "

انفجر " سيف" ضاحكا، فنظرت لهم "رقية " بإستغراب وهزت رأسها بياس وهي تتبع خالتها

يقظة امرأة لا تسمح لشيء أن ينهار ما دامت واقفة.

وتغلق الباب ... غادرت رقية الدرج بخطوات ثابتة، تحمل في قلبها نقل المسؤولية وفي عينيها

من يعين غيره يعان، ومن يفتح بابا للخير لفتح له أبواب كثيرة.

فالكلمة الطيبة قد تنقذ قليا، والابتسامة قد تصلح يوما كاملاً، والخطوة الصغيرة في سبيل

شخص محتاج قد تغير حياته دون أن ندري.

ومهما كان عطاؤنا بسيطا، يكفي أن يكون من القلب فالقليل عند الصادقين كثير.

كانت" نور" تقف خلف الكونتر في الصيدنية الهادئة، وحدها في هذا الوقت من النهار، ضوء الشمس المتسلل من الزجاج الأمامي كان ينعكس على الرفوف، ويضي، ملامحها الهادئة المنهكة قليلا من ضغط الشغل، لكن ابتسامتها بقيت ثابتة كعادتها كانت تعنى بعض الأدوية على الرف حين فتح الباب ببطء، ودخل رجل كبير في العمر كتفاه منحنين من تعب السنين، وملابسه

البسيطة تفوح منها رائحة شقاء لا يخطئها أحد.

تقدم بخطوات بطيئة، ثم مد يده نحوها بورقتين مجعدتين قليلا وقال بصوت مبحوح حمل تعب العمر:

عايز الدواده يا دكتورة لو سمحت "

رفعت" نور "رأسها له، وبشاشة صادقة ارتسمت على وجهها دون تكلف. أشارت له بلطف

حاضر يا عمو.... الفضل حضرتك اقعد الأول "

هز الرجل رأسه شاكرا، وجلس على الكرسي وهو يتنفس بعمق

أخذت "نور" الروشتتين بيدين خفيفتين، نظرت فيهما تم سألته وهي تميل للأمام:

لمين ده يا عمو ؟ "

قال وهو يشير بأصابعه :

" الروشتة دي لمراتي ... ودي بتاعتي يا دكتورة "

رقت عيناها بتعاطف هادئ، وقالت بخفوت

شفاكم الله لحظة هجيب العلاج"

تحركت بخفة فوق أرضية الصيدلية، تسحب علية من هنا وأخرى من هناك، ثم عادت وهي تمسك الأدوية بعناية. جلست على الكرسي خلف الكونتر، وبدأت تكتب على كل علبة بعلامة

واضحة إصبعها يتحرك بثقة بينما لسانها يشرح:

الفضل يا عمو .... دول كده بيتا خدوا مرتين في اليوم بعد القطار وبعد الغداء ودول مزة الصبحويس، وأنا رسمتلك شمس عشان تفتكر المعاد، ودول مرة قبل النوم وبرضه رسمتلك قمر، هو معوج شوية بس مش إشكال، والحقن دي بقى حقنة كل يوم أنا عملتلك علامات أهي عشان تفتكر معاد كل دوا وبيتأخذ كام مرة."

ضحك الرجل ضحكة صغيرة دافئة، وهو يتفحص العلامات البسيطة التي رسمتها:

ربنا يخليك يا ينتي أنا ما بعرفش أقرأ ولا أكتب، ولما باخد الدوا ما يقاس عارف مواعيده انت

مهنتي عليا كثير، كده الحساب كام؟"

بدأت "نور" تحسب ثمن الأدوية، نظرت للروشتة الأولى وقالت وهي تشير إليها:

دي به ۵۰۰..

تم أشارت الثانية:

ودي ٢٠٠... يبقى كده ۸۰۰ جنيه يا عمو "

تغير وجه الرجل فجأة .....

انگشت ملامحه كمن تلقى ضربة في صدره، وانخفضت عيناه نحو كيس الدواء، ثم قال بصوت

مكسور حاول أن يخفيه:

بس مش علب وبلاش الحقن "

طلب.... ها خد العلاج اللي في الروشتة دي بس يا بنتي كامل والروشتة بتاعتي هاني شرايط

شعرت نور كان أحدهم قبض على قلبها، أسرعت تقول بعدما تداركت الموقف :

يا عمو استنى أنا ما كملتش كلامي وشكلك أول مرة تيجي الصيدلية عندنا هنا."

رفع حاجبيه بدهشة:

أن أول مرة أنا من حارة الفاتح اللي جنبكم هنا، والصيدلية اللي هناك قافلة ... فجيت هنا."

ابتسمت " نور" بخفة وهي ترفع حاجبا مزاخا

شوفت؟ عشان كده حضرتك ما تعرفش إن الدكتور أحمد صاحب الصيدلية بيعمل خصم على الأدوية كل آخر شهر وإحنا خلاص في أواخر شهر اثنين اهو، وأنت رزقك تيجي في المعاد ده .

وكده حسابك بعد الخصم هيبقى النص ... يعني ٤٠٠"

أشرق وجه الرجل فجأة كنافذة الفتح لها الضوء، وقال يفرح لم يستطع إخفاءه:

الله يبارك للدكتور مين في الزمن ده بيعمل كده يا دكتورة؟"

وضعت" نور "الأدوية في الكيس صوت الاكياس ينساب مع حركتها الهادئة، وقالت بابتسامة مطمئنة :

كثير يا عمو بس مش ظاهرين والله ومنهم دكتور صيدليتنا."

أخرج الرجل المبلغ وهو يلهث قليلا من الراحة

ربنا يحفظه ويحفظك يا دكتورة .... اتفضلي حسابك "

أخذت "نور "النقود منه، وقالت بلطف صادق :

الله يخليك يا عمو .... تسلم "

وقف الرجل، حفل الأدوية كأنها كنز، ثم قال وهو يخطو للخارج ببطء لا يخلو من خفة:

السلام عليكم .... وربنا يريح قلوبكم زي ما ريحتوا قلبي "

خرج ...

ويقى صوته يتردد في الصيدلية، ومعه ارتعاشة بسيطة في صدر نور. وقفت تنظر خلفه من خلال الزجاج .... كان يمشي ببطء، وكأن التمائمية جدية التي ظنها جبلا از بحث عن كتفيه.

تنفست نور بعمق، وجلست وبدأت تكتب في الدفتر حساب الأدوية بالكامل، ثم أخرجت من حقيبتها مبلغا من مالها الخاص، ووضعته بهدوء فوق المبلغ الذي دفعه الرجل، ووضعت المبلغ كامل في درج الفلوس ثم أغلقته بإحكام، ثم من هاتفها وظهر الأسم على الشاشة فردت بمزاحلطيف:

الناس اللي نسيتني عشان خطيبها كان بيفطر عندهم امبارح دي... ده أنا كنت محذف رقمك

يا بنتي !"

ابتسمت "هدي" وضحكت معها، وقالت:

تحذفي رقمي كمان؟! أنا أقدر أنساك يا نوري يرضه ... بس والله نفت بدري امبارح وما قدرتش أصحى أنسحر حتي، يادوب صحيت صليت الفجر ورجعت نمت ثاني ولسه صاحبة عشان

رايحيين نقطر عند خالته "

ردت "نور" ببساطة وحنان

ولا يهمك يا حبيبتي المهم إنك بخير."

النهدت "هدي" بعمق وقالت بهدوء:

الحمد لله كويسة ... بس محتارة يا نور، وعايزاك تساعديني "

قالت " نور" باستغراب:

محتارة في إيه يا بنتي ؟ "

أغمضت" هدي" عينيها قليلاً، تتنهد، ثم أكملت:

خطيبي عايز تقدم كتب الكتاب... وإحنا متفقين إننا هنكتب الكتاب بعد ما أخلص السنة دي.

بس امبارح لقيته بيقولي إننا نكتب الكتاب دلوقتي عشان الفترة الجابة منحتاج تتواصل كثير ونخرج مع بعض عشان نجیب فرش شقتنا، ومش كل شويه هناخد حد معانا والفرح يفضل بعد امتحاناتي زي ما اتفقنا"

ابتسمت " تور" وقالت بحكمة:

طلب ما ده برضه فكرة هو انت مش مرتاحة وواثقة فيه وعايزة تكملي ؟"

تنهدت "هدي "بيط، وصوتها هادئ لكنه متردد:

"عايزة ... بس الفترة الأخيرة حصل بينا كذا موقف وخناقة، فحاسه اني ... لا، مش مطلع من المشاكل يكتب كتاب دلوقتي يعني تفضل على معادنا العادي اللي اتفقنا عليه الأول "

سألتها "نور" بفضول :

طب وعندك رأيهم ايه يا هدي ؟ "

اجابت" هدي " بصراحة وهدوء:

لسه ما قولتش لحد منهم وخطيبي كمان ما قلس .... هو أخذ رأيي الأول، لو وافقت هيكلم بابا وجدو"

هزت "نور " رأسها بتفهم وقالت لها بهدوء :

بصي يا هدي هو الموضوع بسيط وصعب في نفس الوقت. أنت اللي عارفاه وعارفه طباعه . أه الجواز بيختلف عن الخطوبة كثير بس إحنا هنحكم باللي شايفته دلوقتي لأنه على أساسه هنقرر هنكمل أو لا، وانت أكثر واحدة فاهمة نفسيتك مرتاحة ولا لا. بس خليني أقولك حاجة لو في ناتشات ومشاكل بتحصل دلوقتي قبل ما تكتبوا الكتاب قدى من حاجة نقدر نتجاهلها

لاني بصراحة شايفة إن كتب الكتاب مش سحر بتغير الناس.

اللي بيكون موجود قبله بيكبر بعده ، العصبي في الخطوبة هيبقي عصبي أكثر بعد الجواز . واللي ما بتعرفيش تتفاهمي معاد في الخطوبة هو هيبقي نفس الشخص بعد الجواز، واللي اتجرأ ومد إيده عليك في الخطوبة وقالك معلش كنت متعصب هيفتح دماغك بعد ما تبقي مراته ويقولك معلش انت اللي عصبتني ، وكثير مواقف بتحصل مع بنات في فترة الخطوبة وهي بتعدي وبتقول كان مضغوط وأكيد بعد لما ابقي في بيته كل ده هيتغير | فلا مافيش حاجة بتتغير، فالغرض من كلامي ليك إنك بلاش تتجاهلي أي حاجة ، وما تعمليش حاجة وأنت

مش مرتاحة ."

هدي، يهمس:

" يعني أرفض ؟ "

" أنت عايزة ايه ؟ "

مش عايزة أكتب الكتاب دلوقتي، فأعمل ايه بقي أوافق ولا أرفض ؟"

"نور"، بنبرة واقعية لا تميل ناحية رفض أو قبول :

أنا ما قدرش أقولك وافقي أو أرفضي ، بس أتكلموا الأول.

قوليله إنك مش ضد كتب الكتاب، بس ضد إن حاجة تتعمل وأنت مش منظمنة أنت عارفة نفسك يا هدي، قلبك حساس، وأي موقف صغير بيعلق معاك كثير لو كلمتي منتختفي بعدين، ولو اتكلمتي معاه هتعرفي تاخدي قرار صح "

قالت "هدي " يضيق :

بس هو زعلان وبيقول إني مش بساعده، وعايز نبدأ حياتنا.

"نور"، تبسمت بتفهم وقالت بهدوء:

وأهو ده بقى اللي لازم يتقال بصراحة، فهميه مخاوفك يا حبيبتي

قوليله ، أنا عايزة تكمل مع بعض بس مع راحتي ومع سقف طاقتي، مش مع استعجال

يخوفني .. ولو هو بيحبك بجد هيقدر ده.... اتكلمي وقولي كل اللي مخوفك ومخليك مش مرتاحة

للفكره .. بس بصراحة لأننا مش بنزوق الحقيقة يا هدي احنا بنواجهها.

ولو أنت مرتاحة وعايزة تكملي .... كملي .. ولو قلبك متلخيط .... لا اقفي... لأن الخطوة دي مش هزار دي حياة كاملة هتعيشيها."

"هدى"، بعد تنهيدة طويلة:

والله ريحتيني، كنت حاسة إلى متلخبطة ومش عارفة الرأي الصح... بس أنا فعلا هتكلم معاه

قاطعت جملتها بعدما دخلت أمها إلى الغرفة مبتسمة، وعيناها تشعان حداثا، وقالت بنبرة حانية ومرحة

يلا يا هدي جهزي نفسك... بتكلمي مين دلوقتي ؟"

"رفعت" هدى " رأسها نحوها، وعيناها مثلالتتان بالسعادة، وقالت بثقة:

" نور يا ماما"

اقتربت عائشة" يخطوات هادئة، وابتسامتها تتسع، وقالت:

طب هاتي، أكلمها "

أخدت الموبايل، وقالت بابتسامه لطيفه

عليكم يا نوري "

ردت" نور" بحماس وفرحة واضحة في صوتها، فقد تعارفت على والدة هدي من قبل وارتبطت

بها بمودة دافئة:

الحمد لله يا عائش قولت عائش أهو من طنط! أنت عاملة ايه ؟

ضحكت " عائشة" بخفة وقالت بنيرة دافئة ومليئة بالود

شاطرة يا دكتورة كده إنت حبيبتي قوليلي بقى أخبارك إيه؟»

"نور " ضحكت بحرارة وقالت:

" في نعمة والله... مش ناوية تبعتيلي بنتك تفطر معايا يوم ؟ مانت عارفة أنا والبنات لوحدنا

نظرت " هدي" إلى أمها، وهي تبتسم وتهز راسها بالموافقة بحماس

ابتسمت "عائشة"، وعيناها للمعان بالرضا، وقالت بنيرة تمزج الدفء بالمزاح:

ماشي هفكر بس لو وعدتني إنك تيجي تقطري معايا يوم، أنا وعد منى عطر دلك رجالة البيت

كلهم، وتقعد أنا وأنت وهدي بس وياريت تجيبي أخواتك كمان"

ضحكت" نور" وقالت بحيوية

"موافقة أوي هدي تيجي الأول، وأنا أجي بعدها وده وعد"

أومات "عائشة برأسها، وابتسامة راضية ترتسم على وجهها:

ماشي يا ستي.... هبعتهالك آخر الأسبوع، ولا تزعلي "

تبادلوا الحديث قليلا، ثم أنهوا المكالمة، ارتفعت هدي من على السرير بحيوية، ترتب ملابسها بينما تتابعها عائشة بابتسامة حانية. وفي الوقت نفسه، عادت نور لمواصلة عملها وابتسامة

الرضا تملأ وجهها، وكانها تشعر أن صباح اليوم كله يحمل دفء وسعادة.

الليل كان قد أسدل ستاره بهدوء بعد ساعة من صلاة التراويح، والهواء خفيف، يمر بين الشوارع الخافتة الإضاءة، يحمل معه رائحة البساتين القريبة، ورائحة خبر مازالت دافئة. "مروان "كان يقود سيارته ببطء، عيناه ترافيان التفاصيل، تتفحص كل زاوية كل لوحة حائط كل مدخل حتى وصل إلى العنوان الذي أعطاه له "يوسف"، ركن السيارة بعناية نزل، ووقف للحظة يتأمل المكان الدور الأرضي كان قيد التشطيب الجدران نصف مدهونة، الأدوات متناثرة، والأرضية تحمل بقايا الطباشير والغبار، وكأن المكان نفسه يين من الجهد المبذول فيه.

"مروان أخذ خطوة للأمام نحو الباب المفتوح، وعندما دخل، توقف قليلاً بصدمه وعدم

التصديق، عيناه تتفحصان المشهد أمامه، هناك على بعد خطوات، كان "مهاب" و"يوسف

واقفين أمام حائط نصف مكتمل، يتجادلان بعنف طفولي، ويختلط الجد بالمرح في كل حركة.

"مهاب"، صوته يعلو وهو يوبخ يوسف لكن عينيه للمعان بلمحة من المرح الخفي الذي يختفي

وراء الغضب

بمبي إيه اللي يبقي لون الحيطة؟ أنت عايز تشلني يا بني ! إيه اليمبي ده أصلا؟!"

ابتسامة مرحة تعلو وجه "يوسف"، يتكلم بخفة ودعابة، وهو يفتح علبة الدهان ببطء

ده اليمبي يا عديم الذوق ، وبعدين ماله لما تبقي الحيطان يمبي والحياة تبقي بمبي ، مش

أحسن من اللون اللي ما عرفهوش مله اللي قولت عليه ده"

لم يتحمل " مهاب " وأخذ زجاجة ماء وضرب بها ظهر يوسف بخفة وهو يقول بغيظ :

" اسمه بترولي ، وهيدي منظر جميل للمكان، ولا عايز تعملك حيطه بمبي والثانية احمر والثالثه اخضرا"

"يوسف " بتفكير جاد وهو يشبك ذراعيه

تصدق فكرة حلوة"

لم يكد ينهي جملته حتى ارتفع حاجب "مهاب " في سخرية خفيفة، وصوته يتهكم:

واجبلك فرعين نور من بتوع الأفراح تعلقهم في النص، وفقرة التنورة كل خميس."

انفجر "يوسف ضاحكا وهو يلوح بيده كأنه صدق الفكرة .

طب والله فكرة تسلم دماغك يا هندسه!"

لكن ضحكته تحولت إلى صرخة قصيرة وهو يركض بسرعة عندما تقدم "مهاب " ناحيته

بخطوات واسعة.

"مهاب" وهو يجري وراءه

مش هنخلص احنا من حوار الألوان ده 15 وأنا قولت الواد يقى عاقل وفتح معرض .... بس التفاعه بتجري في دمك يا ابن النجار "

تعالت ضحكات يوسف "وهو يهرب:

أنت مش مقدر مواهبي عالفكرة! ده أنا حتى خريج هندسة والمثل بيقول الحياة...

" شوية مهندسين "

توقفا فجأة التفت الاثنان إلى مصدر صوت خافت خلفهما.... وهناك، كان" مروان " واقفا يسند كيفه إلى الحائط وذراعاه متشابكتان يراقبهما بنظرة تجمع بين الدهشة والتسلية.

تبادل الثلاثة نظرة قصيرة، تم الفجروا جميعا في ضحك صادق كسر حمود المكان

تقدم مروان بخطوات هادئة، فكان مهاب "أول من صافحه بحرارة

حمد الله علي السلامة يا دكتور... كويس إنك عرفت توصل "

مروان " وهو يبادل المصافحة ويقول بابتسامه:

"الطريق ما يتوفش خالص.... وكويس إني جيت في الوقت المناسب عشان أشوف العرض اللي

شوفته به."

صافحه يوسف أيضا وهو يلهث قليلا بعد الجري ويقول بمرح :

ده تدريب سرعة يا بني ينحب تعمله مرة في الأسبوع."

عم الضحك بينهم من جديد، بينما اتجه مهاب إلى ترابيزة عليها مفرش كبير نظيف، فسحبه

وبدأ يفرده على الأرض بحركة معتادة، وأشار المروان وهو يقول :

اقعد يا دكتور هنا عشان بصراحة إحنا مش قادرين الخرج وتقعد في كافيه ولا الكلام ده."

خلع" عروان "حذاءه، وجلس براحة واضحة، نظر حوله بدهشة خفيفه وقال :

نقعد يا سيدي... بس فضولي حابب يعرف المكان ده ايه."

كان "يوسف "قد اتجه إلى الكاتل ليشغله، ورفع صوته من بعيد

ده بقى يا حبوب..... معرض الموبيليا الخاص بأخوك العيد لله اسبوع كده وهيبقى افتتاحه وانت اكيد معزوم "

ادار "مروان رأسه ببطء ينظر إلى المكان الواسع، عينه تلمح الأخشاب، الكراسي المغلقة. الأرفف الجديدة لم قال بنبرة مباركة

"مبروك يا هندسة .... أجبلك على عيني طبقا. اللهم بارك المكان كبير وفي موقع كويس، ربنا

يباركلك فيه "

عاد" يوسف" إليهم ووضع صينية الشاي أمامهم وجلس معهم وهو يقول :

تسلم يا غالي خط السكر بتاعك بقى أنا ما عرفش سكرك إيه."

ساد بينهم صمت خفيف، صمت من النوع الذي يسبق كلاها مهما كان "مهاب" يراقب مروان

بنظرة متحفظة قليلا، فقال بهدوء وبدرة صادقة :

قبل ما تتكلم في أي حاجة، أنا حابب أشكرك تالي على وقفة الجدعنة اللي عملتها معانا ....

جيت في وقتك والله "

تراجع "مروان للخلف قليلا، رجلاه متقاطعتان بطريقة عفوية، ويده تلمس فخذه بخفة.

وابتسامة ساخرة ترتسم على وجهه وقال يمرح :

ما تفكر ليش بقى يا عم.... خدتلي بوكس يومها شوهه وشي الأسبوع، بس فداكم بس انتوا مش شبه المكان ده خالص .... إيه اللي وداكم هناك؟"

"يوسف" رفع كوب الشاي إلى قمه، وقال بهدوء :

أخونا كان متورط مع عبال هناك في حوار كده... وروحنا نحلم "

ابتسم " مروان" وحك رأسه بخفة، وعيناه تلمحان السخرية، وهو يهز رأسه:

" وحليتوه كده؟"

ضحك " مهاب "، وقال وهو وعيناه تتلألا أن بالمرح:

" لا عايزين جولة ثانية ونحله من جدوره، وبنقولك من دلوقتي عشان تسخن با وحش"

اندفعت ضحكاتهم جميعا، ارتجت معها أصوات المكان، ثم قال " يوسف " بنبرة فضول :

احكي بقى كنت عايز إيه من رقية ؟"

نظر "مروان" إلى مهاب بعينين متسعتين، وابتسامة جانبية غامرة، مع حركة رأس وقال بغمزة:

كنت طالب القرب منها ؟ "

اعتدل " يوصف "فجأة في جلسته عيناه السعنا وشفتيه افتتحنا قليلا من الدهشة والصدمة. وهو يسهل بشدة.

اما مهاب .... فجأة احمر وجهه بالكامل، عضلات فكه تضغط بشدة، وعيناه اتسعنا من الغضب المختلط بالصدمة. قبض على يده وانحنى قليلا للأمام، مستعدا للتحرك بأي لحظة.

اندفع "مهاب" نحو "مروان"، ممسكا ياقة قميصه بكل قوة، ووجهه قريب من وجهه، وعيونه

مليئة بالغضب

طالب إيه يا عنيا ؟! يارب أكون سمعت غلط عشان وذلك الحلو ده مش حمل أيدي ا"

ابتسم "مروان" بشكل ساخر، عيناه تلمعان بالمرح، وهو يحاول كنم ضحكته، و يهز رأسه قليلا مسفران

" لا سمعت صح أنا طالب القرب من ر "

لم يكمل فقد اصطدمت قبضة " مهاب "بوجهه فوزا، فتراجعت رأسه للخلف مع صوت مكتوم. ودماء خفيفة ظهرت على جانب فمه.

"مهاب " وهو يصرح بغضب شديد:

ده إنت ليلتك سودا النهاردة!"

تدخل " يوسف " فوزا، ممسكا "مهاب " من كدفه بقوة، محاولا تثبيته

أما "مروان" فقد كان ينحني على الأرض من الضحك، يمسح الدماء عن فمه، وينظر له بمتعة ومرح ، بينما جسده بهتز من شدة الضحك.

رمقه" مهاب "بغضب لا يخفى، ووجهه مشدود بالكامل وهو يحاول الهجوم عليه مرة أخري :

سبني يا يوسف ده بيضحك ؟! وأنا قال بشكره أول ما دخل ا"

صوت يوسف ارتفع قليلا وهو ينظر المروان صارم لكنه ما زال ميتسفا:

ما تسكت يا عم ؟ بتضحك على إيه دلوقتي بالضربة اللي خدتها دي؟ بطل ضحك أنا ماسكه بالعافية !"

نهض مروان بصعوبة من الأرض، يضحك بحذر، ويمسح الدماء على جانبه بحركة متناقلة . ينفع كده؟ الدم ده؟ طب ينفع تبهدلي شعري ؟ ده أنا لسه دافع مية جنيه عند الحلاق"

نظره "مهاب " بسخرية، وشفتيه ترتسمان بابتسامة ساخرة

مية ليه يا كتكوت ؟! ما يندفع خمسين ويتخرج من عنده زي الفل "

رفع " مروان حاجبه بدهشة، ووجهه مليء بالاستنكار:

احلف ؟ يعني أنا يتضحك عليا في خمسين جنيه على آخر الزمن ؟!"

ضحك "يوسف"، ووجهه يظهر الترقب والمرح معان

هتبقى ناخدك معانا عند حلاقنا ولا تزعل يا عم."

هتف "مهاب بصوت مرتفع، عينيه لامعتان بالغضب

هتستهبل انت وهو بالاااا"

رفع " مروان يديه كما لو كان يهدئ أسنا غصب، وعيناه تلمعان بالمرح:

اهدي بس.... وخليني أكمل كلامي، صلوا على النبي "

رد مهاب ويوسف" في آن واحد، وعيونهما على مروان :

عليه أفضل الصلاة والسلام"

جلس "مروان "ثانية، عيناه تلمعان بالحماس أخذ نفسا عميقا، وزفره ببطء، بينما شد یوسف مهاب الذي ما زال مشدود الأعصاب، فنفخ الأخير بغيظه، وجلس أخيرا، مغلقا فمه بإحكام.

ثم أخذ "مروان "نفسا طويلا، وعيناه تلمعان بمزيج من الحماسة والجدية

أنا عايز أتقدم النورا"

التفت" مهاب" و "يوسف لبعضهما بدهول واضح، ووجوههم تزينت بمزيج من الصدمة

الثبات وسط هذا الخبر المفاجئ.

والتساؤل، عضلات وجه مهاب شدت عیداه اتسعتا ويداه تمسكان بحافة المفرش كأنه يريد

مهاب "باندهاش واضح

" نور؟... تور مين؟"

ابتسم " مروان ببساطة وهدوء، وقال :

" نور المهدي "

ارتسمت على وجه مهاب ابتسامة واسعة، كان الصدمة تحولت إلى فرح فجاني، وصوت

ضحك داخلي يخرج منه على شكل همهمات:

"احلف ؟"

ضحك "مروان بخفة، ورفع حاجيه بإيماءة ساخرة صوت يغلب عليه المرح

" والله"

انفجر مهاب بعدها ضاحكا بحرية، واحتضن مروان برفق، عيناه تلمعان بالمرح وشفتيه ترتسمان

بابتسامة صادقة:

ياخي مش تقول من الأول، وريني وشك كده"

ضحك " مروان ويوسف" مغا بصوت عالي، وابتسامة يوسف تتسع وهو يحرك يده للتهكم:

فداك وشه يا خويا... لو عايز تاخد الحد الثاني كمان عشان ترتاح، ولا يهمك يا غالي

نظرات "مروان اتسعت قليلا، وابتسامته أصبحت نصف مصطنعة، وهو يحاول التظاهر

بالغضب

" أنت بتجامله في وشي؟ مش شايف عمل فيا ايه ؟"

ريت " مهاب " على كتف "مروان برفق، عيناه تلمعان بالمرح، وصوته يمتلئ بالحيوية

طرب الحبيب يا عم .... حقك عليا، أصل انت رميت جملة جننتني .... ما تقول من الأول عايز اتقدم لاخت رقية ؟"

أجاب "مروان" يعمل، وبقرف مصطنع، يحاول تقليل حدة الموقف:

واديني قولت يا خويا."

نظر" يوسف إلى مروان" بفضول ، وقال :

" واحنا سمعنا ... بس عايزين تعرف التفاصيل، عرفت نور منین؟"

بدا "مروان " يسرد بحركة هادئة صوته يميل إلى التوضيح، ويداه ترتعش قليلاً مع الحماس

الداخلي:

" هي صاحبة هدي أختي في الكلية وبما إني معيد في طب أسنان في نفس جامعتهم، شوفتها كذا مرة مع هدي ... ولما لقيت نفسي مستعد أحد خطوة الجواز، هي أول واحدة فكرت فيها. فسألت هدي عنها قالتلي إنها من مخطوبة، وعرفتني عنوانها ... وقالتلي أن مامتها متوفية وهم عايشين بعيد عن باباهم، ورقية هي المسؤولة عنهم .... فقررت أكلم رقية الأول. و يوم ما جيت الحارة شوفتكم "

سأل " مهاب " بتساؤل:

طب ليه تكلم رقيبة الأول ؟ يعني كان ممكن تخلي أختك تكلم نور بما إنهم صحاب، وتعرف منها

الأول رأيها ؟"

رفع "مروان" يديه قليلا، وعيناه تلمعان بالصدق، ووجهه يظهر الجدية والحرص:

" ما حبيتش يكون في أي حساسية بين أختي وصاحبتها.... خصوصا أنها بتحب نور أوي فما حيتش أخرج حد فيهم. وفي كل الأحوال كنت هكلم الأنسه رقية برضه، فقولت اختصر كل الطرق وأكلمها على طول "

"يوسف" أوماً برأسه ببطء، وابتسامة غرور خفيفة على وجهه، ويديه تستند على ركبتيه:

خير ما عملت.... لأن الرأي الأول والأخير بعد رأي نور هو الرقبة، يعني لو رقية رفضتك يا معلم

فمستحيل تتجوز نور."

اتسعت عينا "مروان " قليلا وقال بضيق :

بعد الشر يا عم ترفض ايه بس؟ إن شاء الله الاثنين يوافقوا ... بس ما تسمعوني رايكم كده

ابتسم "يوسف "بغرور، وعيناه تلمعان بمزيج من المرح والاستعلاء:

" والله بصفتي ابن خالتها ... ويعتبرها أختي الصغيرة لسه هفكر وأسأل عنك يا دكتور اديني

سبع تمن شهور وهقولك رأيي."

ضحك " مروان "بسخرية:

لا مانت رأيك مش مهم أوي يا يوسف... قال تمن شهور قال وانت يا هندسه قولي رأيك بس

خليك حنين والنبي مش زي ابديك"

ابتسم "مهاب " وقال :

ما خلاص بقي قلبك أسود كده ليه؟ بص أنا مستجدعك، وباين عليك رجوله ... واحترمت إنك ما لفتش كثير وداخل البيت من بابه على طول بس زي ما يوسف قالك رأي نور ورقية الأهم."

تنفس "مروان " وقال بضيق طفولي :

يعني مافيش أي مساعده منكم؟ ده أنا عايز اتجوز قبل السنة دي ما تخلص !"

ضحك " مهاب ضحكة قوية. عيناه تلمعان بالمرح وهو يتذكر كلماته الرقية:

" ده أنت واقع بقي ؟ "

هر و مروان" رأسه بلا وعي، وقال بحب:

" أوي أوي يا مهاب"

صباح يوسف ضاحكا بشدة

والله صعبت عليا وعشان كده هكلملك رقية وهي تكلم نور "

ايتسم "مروان "بحرارة

أجدع واحد في حارة البراق والله ... حبيبي يا هندسه أنت والمعرض اللي هجيب منه فرش

بنت خالتك"

ابتسم " يوسف" بسخرية، وعيناه تحدقان في مهاب يمثل طريف :

ثاني؟ نفس الجملة ثاني؟" الباشا لسه قايلي نفس الجملة امبارح "

نظر له "مروان " بمرح وقال :

لا ده أحدا كده نأخد لخصم جامد بقي ؟"

ضحك "مهاب" وهو يقيظ يوسف:

حبيب أخوك المعرض معرضنا براحتنا."

صاح "يوسف يقرف مصطنع، وهو يرفع يده

لسه بفتح المكان وبيقول يا هادي قوموا قوموا نقفل ونروح ناكل عشان انا هفت منكم "

ابتسم " مهاب" ساخرا، وقال باستغراب :

"أكل إيه؟ ما احدا لسه فاطرين من كام ساعة ؟ "

قام "يوسف" ببطء، يرتدي حذاءه، ووجهه يظهر المرح :

" أديك قولك من كام ساعة ، قوموا وإلا والله أروح أكل كبده و حواشي لوحدي "

مد" مهاب يده لمروان"، بشده ليقوم

قوم يا عم.... دي فيها كبده وحواشي على حساب المعلم يوسف قوم "

ضحك " مروان"، وهو يقف بمرح:

طالما على حساب المعلم..... ما نقدرش نقول حاجة.

صدد يوسف، ووجهه اتسع وقال باستياء "

أنا قولت على حسابي ؟ تصدقوا انكم عيال نصابه، وأنا غلطان إني قولتلكم تعالوا معايا أنا

ماشي "

بدأ يمشي خارج المعرض، بينما يناديه مهاب ومروان بمرح:

استني يا جو هنيجي معالنا"

يا معلم یوسف استنى بس... هنتفاهم "

بعد لحظة، عاد "يوسف" لهم وهو يضحك:

"حسبي الله ماعيش عربية، ومضطر استناكم اخلصوا ياعم انت وهو طفوا الكهربا دي عشان تقفل المكان وتلحق على عربية الكبده"

ضحك الثلاثة جميعا، وأغلقت أبواب المعرض، وامتزجت أصوات ضحكاتهم مع همهمات الرياحالخفيفة التي تداعب أوراق الأشجار خارج المعرض، غادروا المكان واحدا تلو الآخر، وكل منهم يشعر بخفة في قلبه ودفء في صدره، وكان لحظة الصداقة والمرح التي قضوها هناك قد صنعت بينهم رابطا أقوى الطلقت السيارات في الشارع، أصوات المحركات تتماوج مع أصوات ضحكاتهم، وكانت البداية لسهرة جديدة، مليئة بالفرح والحديث الذي لا ينتهي، وحياة جديدة

من الصداقة والثقة والسر الصغير الذي جمعهم جميعا في تلك اللحظات.

كانت أجواء المطعم حيوية كعادتها في هذا الوقت من الليل، إذ كان الزبائن يأتون ليتناولوا وجبة السحور، والطلبات تتكدس على الطاولات، فيما تتحرك رقية بين الزبائن وهي تجهز الفلافل بحركة سريعة وهمة معتادة، تعكس تركيزها وشغفها في أداء عملها، فجأة، شعرت بألم مفاجئ رفعت عينيها لتجد "ناهد" تقترب منها بخطوات هادئة، عيناها متسعتان من الانتباه

والقلق، وسألتها بحنية:

مالك يا رقية ؟ وشك اتخطف مره واحده كده ليه ؟"

أجابت "رقية" بصوت منخفض، هادئ، لكنها تحمل في طياته نقل اللحظة:

- مافيش حاجة يا حبيبتي، أنا بس طهري شد عليا مره واحدة من الوقفة "

طب القعدي اقعدي، أنا وهبة هنشتغل "

هزت "رقية " رأسها بخفة، وجلست تعاود تغليف الطلبات التي تخرج تيك أواي للزبائن، في حين

كان تركيزها ينكسر أحيانا بتقاطعات نظراتها مع الحركة حولها.

وفي خضم هذا الانشغال، دخلت للمرة الأولى "شهد البراق" عيناها تتفحص المكان يقرف وتكبر

وقفت ناهد للحظة تحذق فيها بدهشة، تم تكلمت بسخرية خفيفة:

شهد البراق عندنا؟ ده يا مرحب يا مرحب... تعالى في جنب بس الزيت يقع عليك وأنت حلوة وقطقوطة كده "

لم تلنفت" شهد" للنبرة الساخرة، بل تجاهلتها وتقدمت لتسحب كرسيا وجلست مقابل " رقية"

التي نظرت لها يصمت وهدوء وكأنها تنتظر أن تبدأ بالكلام.

بدأت شهد "حديثها بنبرة ساخرة مختلطة بالتحقير، محاولة أن تستفز رقية:

يعني ومافيش حاجة مميزة عشان اللي معمول عشان دهك؟"

رفعت "رقية "رأسها، عيناها ثابتتان على شهد ببرودة وثقة واضحة، وصوتها منخفض لكنه جاد

" لو قصدك عليا فأنا اسمى لوحدة ميزة ويتعمل عشائي أكثر من اللي قصدك عليه ! "

ارتجف وجه " شهد" للحظة، حاولت أن تخفي حقدها، لكنها أطلقت تعليقا مختصرا:

" أممم، لا شاطرة في الكلام، وشاطرة في الخطف كمان "

ضحكت " رقية " بسخرية وقالت :

وخطفت ايه من شهد البراق ؟"

اقتربت " شهد " منها وقالت يحقد

مهاب ! مهاب اللي لاقيتي عليه وخليتيه يحبك ومش طايقني ولا طايق قربي بسبيك . خطفتيه بشوية حركات رخيصة منك ، رميتي نفسك عليه اكيد واتسهوكني لعند لما حبك .

سابني اذا عشان واحده زيك رخيص ...

لم تكتمل جملتها بسبب اقتراب " رقية " منها بخطوة خفيفة، عيناها تتألق بغضب كامن ووجهها صارم، صوتها أصبح أشد هدوء ا لكنه ينبض بالقوة ، قالت بغضب هامس كي لا يسمعه

أحد وهي تمسك يد شهد بقوه وتقربها منها:

كلمة ثانية والله في سماه ما هتعرفي تنطقي تاني | مهاب اللي جايه تکلمینه عشانه ده سید الرجالة، والرجاله عندنا ما حدش بيلف ولا يخطفها يا بنت البراق، لما يجي يجي بمزاجه من غير لف وسهوكه وحركات رخيصة، ولما يحب مش هيحب بنت بتتسهوك عشان مش دي اللي تليق بمهاب عامر البراق ، اللي سابك عشان أنت ما تلقيش بيه يا شهد أنا هنسي الكلام الخايب اللي قولتيه عليا ومعتبره ما حصلش عشان لو اعتبرته حصل مش هتخرجي من هنا سليمه لان رقية المهدي مش رخيصة ولا واحده جايه من الشارع ويتلف وتدور علي الشباب وبترمي روحها عليهم ، فاحسنلك تخرجي من هنا وما تورنيش وشك ثاني "

"شهد" شعرت بخوف وطيف غضب داخلي في الوقت نفسه كأنها ترى مهاب في ذلك الغضب

بينما كانت رقية تسيطر على الموقف بالكامل.

ثم التفتت "رقية" إلى ناهد بسخرية وقالت:

شكل الأستاذة مطولة معانا هنا يا ناهد فاعمليها سندوتشين كده يسلوها. "

ردت" ناهد" وهي تبتسم بمرح:

اثنين بس؟ قولي عشرة عشرين وتقعد براحتها."

نهضت "شهد" من مكانها، عيناها متألقنان بالغضب والضيق وخرجت من المطعم بسرعة، تاركة

وراءها صمنا حقيقاً متبوعا بهدوء حذر.

جلست" رقية" للحظة، وجهها تغير قليلا، وضعت يدها على رأسها بإحباط، فاقتربت "ناهد

ووضعت يدها على كتفها بحنان

ما تشغليش دماغك بالكلام اللي البت دي قالته، سيبيك من أي كلام"

ابتسمت "رقية "يبطء، تنظر إلى ناهد بعينين مليتين بالتفكير، قالت:

طلب أعمل إيه؟ يعني أنا بعيد وبرضه مافيش فايدة ؟"

اجابت ناهد" بحب وحنان

" قربي ؟ ادي قلبك فرصة وسيبيه يعيش المشاكل بتحصل كده كده يبقى تحصل وانت معاه مش هتفضلي تصدي وانت برا الملعب اصدقيني لو دخلتي ماحدش هيقدر يعمل حاجة."

رفعت "رقية "رأسها، عيناها للمعان بالهدوء والحذر، وقالت:

الدخلة وسطهم دي صعبة أوي يا ناهد"

ضحكت " للهد" بخفة وسخرية:

صعبة وانت مع مهاب اللي يحرق الكون عشانك ؟ "

" بس دول أهله !"

" أنت ليه بتتوقعي الشر من أوله ، ما يمكن كل حاجة تمشي كويس انت بس سلميله المركب

وهو هيسوق بشطارة . "

"رقبة" ابتسمت وقالت :

بحسك أمه يا ناهد والله من كثر ما يتقفي في صفه "

ابتسمت "ناهد " وقالت بحنان :

مهاب ابني ما خلفتهوش يا روقا أسلمه عمري وأنا مغمضة، وانت بنت عمری ، فعشان خاطری

ريحي قلب الواد شوية، وقلبك "

اینسمت " رقية "لها، عيناها تتلالاً يحب وحنان، وقالت بغمزة صغيرة

قلبي عامل هجوم على عقلي من امبارح یا ناهوده و شکله کده هيكسب الجولة، الله أعلم"

ضحكت "ناهد" بمرح، ونهضت لتكمل العمل، وهي تقول:

يا فرحت قلبك يا اللي في باللي الواد طيب ويستاهل والله "

ابتسمت رقية وتنفست ببطء، وعيناها تشفان بالهدوء بعد لحظات التوتر والغضب التي اجتاحتها، وابتسمت لنفسها بابتسامة صغيرة، هادئة، مليئة بالقوة والطمانينة عادت لتغليف الطلبات خطواتها منزلة، يدها ثابتة، وقلبها مليء بالهدوء الداخلي، كأن كل شيء من حولها أصبح خلفية لوهجها الداخلي، وهكذا، في تلك اللحظة، شعرت رقية أن الليل قد منحها فرصة

للتوقف، لاستعادة قوتها، ولمواجهة الأيام القادمة بنفس الصلابة والثقة.


تعليقات