امواج قاتلة الجزء الثالث (احفاد السياف) الفصل الثامن 8 بقلم نداء علي


 امواج قاتلة الجزء الثالث (احفاد السياف) الفصل الثامن 

#بسم الله الرحمن الرحيم 
لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين استغفرك اللهم واتوب اليك 


حياتنا كقالب حلوى مزين، نخشى عليه أن يسقط فنحُرم لذة مذاقه لكننا لا نبذل قصارى جهدنا، أحيانا نغفل ولا نمسكه باحكام فينتهي به الحال مفتتُُ بعدما غافلتنا الأيام واوقعته بلا رأفة بحاله الهش.

اقترب كما لو أنها ريُ لروحه العطشة لكنها كانت غافلة عن اشتياقه لها، همس باسمها بحنو ورغبة
رباب! اتوحشتك جوي.
ابتسمت بنعومة وكادت أن تبادله حديثه العذب لكن صياح طفلها الأصغر وشجار تؤامها المشاغب جعلها تهرول خارجا تاركة جاد يتخبط اكثر وأكثر، فترة تيه وضعف يمر بها، روحه معلقة وطاقته مستنزفة ويهفو إلى بر يأويه، تنهد بضيق ولحق بزوجته عليه بالوقوف بينها وبين ضياعهما عليه التصدي لكل ما يقابلهما من أمواج تعمد إلى اغراقهما وعليها أن تساعده.
نظراته الحادة جعلت أطفاله يهرولون جميعاً في احترام ورهبة، بينما بقي ابنه الأكبر، يقلب في هاتفه دون اكتراث لشيء مما يدور من حوله
بخطوات غاضبة لكنها هادئة يقيدها الحكمة اقترب جاد ومد يده ساحباً الهاتف بقوة من بين يدي ولده
انتفض جواد بحدة ظناً منه أن الفاعل والدته فلم ينتبه إلى دلوف أبيه وكاد أن يعترض بفظاظة لكنه لجم غيظه وتحدث بروية
في ايه يا بابا، حضرتك اخدت الموبايل ليه؟
جاد بسخرية
اخواتك نازلين طحن في بعض وأمك جدامك تايهه بيناتهم وانت جاعد كيه البجم لا حاسس ولا داري بحد وكل اللي شاغلك خدت منك التلفون ليه؟
جواد دون اكتراث
وأنا مالي، عيال صغيرين هعملهم ايه يعني؟ 
جاد : وكزه جاد بحدة فشهقت رباب بلهفة وفزع وصاحت
بالراحة عليه يا چاد، محصلش حاچة.
جاد : خدي عيالك وادخلي چوة يا رباب وعالله اسمع صوتك
جديته جعلتها تبتعد في طاعة بينما وقف جواد يرتعد في داخله فوالده الآن في أوج غضبه
جلس جاد وبقي جواد واقفاً بمواجهته، سلط جاد بصره فوق ابنه والقى إليه بكلمات مقتضبة يغلفها التهديد
أول وآخر مرة اكلمك واجولك حاچة وتراچعني يا جواد، مفترض إنك راچل البيت في غيابي بس طلعت عيل صغير ويمكن اخواتك فيهم رچولة عنك.
جواد بحدة طفيفة
يا بابا أنا معملتش حاچة
جاد بسخرية
ماهو المصيبة انك معملتش، يعني لو أنا مت ولا سافرت وطولت حبتين البيت هيخرب وأمك هتشيل المسؤولية لوحدها، ماهو أنا مخلتفش رچالة
نكس جواد رأسه وجاهد في الدفاع عن نفسه
يعني اسيب مذاكرتي ومستجبلي واچري ورا اخواتي احچز ما بينهم
جاد : لاه، وانت خابر معنى كلامي زين، وبعدين مذاكرة ايه يامحترم، مفكرني نايم على وداني إياك، ده انت ما بتروحش الچامعة غير كل حين ومين وعايش الدور انت واصحابك، خروچ وفسح… استقام واقفاً وهمس بلهجة شرسة مخيفة واستكمل
وسچاير.
ابتلع جواد ريقه بشق الأنفس وكاد أن يبكي من فرط صدمته
جلس جاد من جديد وباغته بقوله
السنه ديه لو مچبتش تجدير عالي هطلعلك من التعليم خالص، خابر ليه
نظر جواد إلى والده بفزع وترقب
جاد : لاچل لما تدخل الچيش تاخدلك سنتين حلوين يعلموك الأدب وتتربى صوح.
جواد : چيش ايه، يا بابا اللي وصلك الكلام ده كداب أنا..
جاد بهدوء مخيف
كلمة تانية وهتخليني اجوم اضربك بالچزمة على دماغك، هي كلمة ورد غطاها، هتتعدل ولا لاه
جواد برهبة
حاضر يا بابا، انا اسف واوعدك اني هعمل كل اللي تؤمر بيه
جاد : ان شاء الله، من مصلحتك يا جواد، من مصلحتك تسمع الكلام.
دلف إلى غرفتهما فوجدها تنتظره وملامحها الحانقة تبشر بمشاجرة لا يريدها الآن
ادعى انشغاله بأمر ما لكنها تحدثت بحدة
انت ازاي تحرچني اكده والولاد واجفين، وبعدين أنا المسؤولة عن تربية ولادي، مش ده كلامك من الاول
جاد بغلظة
كنت غلطان، مغفل يا رباب، ازاي واحدة عمرها ما شالت مسؤولية ولا شالت هم تجدر على ست ولاد لوحدها
رباب بجنون
ليه ان شاء الله، ولادي مفيش حد في ادبهم ولا…
نهرها جاد
اكتمي، تعرفي تسدي خاشمك لما اخلص كلام، ايه الغرور اللي راكبك وعاميكِ ده
ابنك الكَبير بيدخن ويا عالم من امتى
رباب بذهول : لاه، الكلام ده كدب
جاد : كدب! لو مشفتش بعيني كان ممكن اصدج
هوى جسدها فوق الفراش ونظرت إلى جاد بتوتر وخجل لكنها ادعت الثبات وهمست
وحتى لو حصل، طيش شباب وهيروح لحاله، سلمان اخوك أها، اسمالله عليه شوف كان كيف في شبابه ودلوك بجى ايه
جاد بحزن
وشوفي اخوكي حماد بدأها كيف وانتهى بيه الحال على ايه
تركها وترك منزله وتوجه إلى والديه يطمأن على احوالهما وربما يبحث عن بعض السلام والهدوء، وبقيت هي خائفة تخشى الفشل فيقولون شبيهة والدتها وتسعى إلى النجاح ولا تدري السبيل إليه فتتخبط في طريقها اكثر وأكثر… 
💬💬💬💬💬💬💬💬💬💬💬💬

أبواب جاهدنا سنوات في ردمها، مزقنا بعض من روحنا وجعلناه سداً كي تبقى تلك الأبواب مغلقة مدى الدهر وها نحن الآن نفتحها على مصراعيها فتهب عواصف الماضي وامواجه الدامية ومالنا من قوة في مواجهتها.
دمعت عينا ميادة وسرى بجسدها رجفة موجعة، تتابعت عبراتها وكأنها تمهد السبيل نحو أولى كلمات الحكاية..
قصت على مسامعه ما حدث، كيف نشأت هي وحليمة وكيف كبر نوح وحماد، ذلك القاتل البريء، المجرم رغماً عنه، القاسي المحمل بذنوب الغير.
مسحت بكفها سيل العبرات المتدفق فوق صفحة وجهه وهمست
وبرغم كل اللي فات أنا مقدرش اعيش من غيرك ولا اتخيل حياتنا وانت مش فيها. 
اغمضت عيناها قليلاً 
عوض ربنا لنوح، مفيش انسان في الدنيا ممكن يحبك ويخاف عليك أده. 
انتحب رحيم بقهر شطر فؤاد نوح لكنه بقى ساكناً لا يقو على القرب منه واحتضانه ولا طاقة له أن يفر هارباً، لقد كُشفت الحقيقة وبات شقيقه عاريا، ليته مات قبل تلك اللحظة وانتهت حياته، لقد بذل كل ما لديه ليجمل تشوهات الماضي لكنه عاجز بلا حيلة يستمع إلى كلمات ميادة في صمت ذليل وما له أن يقول وقد تفننت هي في تزييف الحقائق، لم تقدر على البوح بكل شيء، تعللت بصغر سن شقيقتها التي لم تحتمل الزواج فماتت بين يدي حماد، لم تخبره أنه قد سرق شبابها وحياتها. 
انحني نوح وقد باغته ألم حاد برأسه امتد يخترق جسده بأكمله كما السهم الناري المشتعل، ابى أن يئن ألما فتماسك بشق الأنفس وحبس أنفاسه واضعاً رأسه المترنح من فرط الوجع بين كفيه يستمع إلى حديث يهوي به إلى ألسنة الجحيم.
كانت عينا ميادة تنتحب في صمت ولسانها يتغنى بآهات فاتت ولم تمت. 
تطلع إليها رحيم بخجل وكأنه الفاعل
يعني ابويا كان سبب موت اختك وهروبك وحرمانك من حياتك وأهلك سنين؟
ميادة : لاه، كل شيء مقدر ومكتوب، ابوك كان سبب مش اكتر
رحيم ضاحكًا بانكسار
دلوك بس عذرت خالي جاد وخالة نوارة، عنيهم هتحكي كَتير، كانهم شايفين الماضي عايش ما ببنهم وغصب عنهم مچبورين يتحملوه
ميادة : أنت مش ماضي ولا لك ذنب فيه
رحيم : أنا جزء منه، امتداد ليه
ميادة : انت ابننا احنا، فاهم، ابني أنا ونوح وحتى لو كلامك صحيح، ايه المشكلة، ياما ناس قدروا يتخطوا ظروفهم ويبقوا احسن من أهلهم واحنا معاك عمرنا ما هنخذلك، المهم انت متخذلنيش، متوجعش قلبي عليك
رحيم بنظرات غامضة : بسهولة اكده
ميادة بحدة
يعني ايه، اعتبر نفسك مسمعتش حاچة، إياك تضعف يا رحيم وتضيع نفسك ومستقبلك
رحيم بهدوء
يعني انسى كل حاچة
ميادة : ايوة بالظبط، اقولك على فكرة، انت تسافر تكمل تعليم برة، ايوة سافر انا كنت رافضه تبعد عني بس خلاص طالما بعدك هيحافظ عليك، سافر
مد كفه إليه يزيح عن وجهها تلك الدموع المتلاحقة وهمس بانكسار
اهرب
ميادة : هتهرب من ايه، افهم انت ملكش ذنب، احتدت عليه من فرط ضعفها وصاحت بوجهه
انسى الموضوع ده، مفيش حاجة اتغيرت اللي فات مات
هب واقفاً وكأنه شبلُ جريح
ولما هو النسيان سهل اكده، مفيش حد فيكم نسى ليييه، لما أنا مليش ذنب ليه طول عمري مغروس چواه
نظر إلى نوح واستكمل بلوم وعتاب دامي
وانت! ساكت دلوك ليه، حزين لأن أخوك مطلعش الراچل المثالي اللي خدعتني بسيرته سنين ولا ندمان انك اخدتني، يمكن لو سبتني لخوالي مكنش حد هيعرف وجتها أنا مين وابن مين، كنت هعيش وخلاص.
انقبض فؤاد ميادة فوضعت قبضتها فوق نابضها وهرولت بفزع إليه
رفعت وجهه إليها فوجدت عيناه مغلقة والدماء تسيل بغزارة من أنفه
صراخها الحاد شق سكون الليل فهرول الجميع إليهم بينما انزوى رحيم بركن مظلم كحال روحه التي أصابها العطب مبكراً. 
💬💬💬💬💬💬💬💬💬💬💬💬

ترانيم الماضي ألحانها عذبة ، يتردد صداها بين حين وآخر إذا ما نادانا الحنين إليها، لكننا لم نشعر يوماً بالحنين وما كان لنا أن نتذكر فلما تلتصق بنا تلك التعويذة المهلكة.

كانت تلملم ما يخصها بفؤاد غاضب، لقد أعلنت انسحابها واستسلامها المبكر وللعجب صمته دفعها إلى الإصرار على قرارها. 
بكت كما لم تفعل من قلب، بكاء مجنون، لا تعلم ما يؤلمها بحق، 
هل تلك أعراض العشق التي يقولون عنها، تجعلك فاقد لزمام التعقل بعيد عن المنطق، أهي عاشقة إلى تلك الدرجة المؤلمة، 
تتمنى أن تلتقط أنفاسها لكنها لا تستطيع تود الفرار سريعاً، تهفو إلى أحضان والدتها الآن، في تلك اللحظة لا تريد سواها.

بيننا هو عاجز عن الحركة، قابع بمقعده يدور يمينا ويساراً دون توقف
عندما ألقت إليه بكلماتها القاسية دهست كبرياءه الأعمى فاكتفي بالصمت وتركها عالقة بين ظنونها، تخيلت واهمة أنه لا يهتم ولم يفلح هو في البوح بأنها كل همه. 

ألقت نظرة أخيرة إلى المشفى وربما كانت تودعه هو وصعدت إلى سيارة الأجرة قائلة
اطلع على القاهرة يا اسطى، وهدفعلك اللي تطلبه 

خرج هو بخطوات مسرعة يبحث عنها على أمل الرجوع ليقف مذهولاً بعدما وجد مكتبها فارغاً وقد غادرته الحياة. 

ادمعت عينا سماء وهمست
للدرجة دي أنا رخيصة عندك، عالأقل كنت اتكلم، قولي أي حاجة، ليه بس كده ياربي، ليه كل ما قلبي يميل يطلع وهم وارجع مكسورة بالشكل ده؟! 

اغمض عيناه باختناق وغادر يقود سيارته عائداً إلى بيته فلم يعد له رغبة في المكوث بذاك المكان، ربما كان تسليماً منه بأن الفراق حل أسلم لهما لكن تلك اللحظات التي غادرت فيها جعلته يتقن أن سماء ليست طيف عابر في سماءه وانها عاصفة ستقلب حياته بأكملها. 
......................................... 

ترجلت سماء من السيارة ووقفت إلى جوار السائق الذي بدا غاضباً فقد تعطلت سيارته بقارعة الطريق 
تساءلت سماء في تردد
ايه يا اسطى، هتعرف تصلحها ولا لأ 
السائق : طولي بالك يا ست، بحاول جدامك أها وربك يسترها 
سماء بقلق : طيب ما تتصل على حد من اصحابك يجي يساعدك
السائق : ياريت، محسوبك غريب عن المنطجة وماليش معارف اهنه واصل، وبعدين اطمني ديه مهياش أول مرة
بدأت في فرك كفيها ببعضها وتزاحمت بداخلها الكثير من الهواجس. 

بينما هو يتطلع من حوله إلى السيارات المارة ويتمنى أن يراها، نظر بسعادة لا توصف بعدما تأكد من هيئتها، هي سماء، يبدو أن امنيته تحققت بشكل خيالي. 

هبط من سيارته بثقة وسعادة أجاد اخفاءها، وضع نظارته الشمسية واقترب من السائق متجاهلاً سماء ودهشتها قائلاً 
السلام عليكم يا ريس، محتاچ ايتها خدمة؟ 
وقف السائق واجابه بترحاب
يا مرحب يا باشا، البطارية نايمة لو أمكن الاجي معاك وصلة تديني اشغلها
سلمان : حاضر، نظر إليها بطرف عينه قائلاً 
انتِ رايحة فين دلوك يا آنسة 
سماء بخفوت 
مسافرة، بتسأل ليه؟ 
سلمان بمشاكسة : وياتري اخدتي اچازة مني ولا ماشية اكده وخلاص
سماء بغيظ 
اعتقد اني قدمت استقالتي وانت وافقت وخلصنا
سلمان بتحدي 
مين جالك اني موافج، ولازمن جبل ما تمشي وتروحي أي مكان تبلغيني. 
سماء : وأنا مصممة على استقالتي، شوفلك واحدة غيري 
سلمان بمكر يقصد أن يزلزل ثباتها
مفيش يا سماء. 
نظرت إليه بدهشة سرعان ما تبدلت بحزن لاح بمقلتيها بعدما تذكرت صمته عقب رغبتها في ترك العمل بالمشفى. 

تساءل السائق بفضول بعدما خيم الصمت بينهما : 

شكلك تعرف الآنسة يا سعادة البيه 
سلمان بجدية 
اه ياحچ، خطيبتي! 
فغرت فاها بصدمة وابتسم هو بانتصار ولم تدر متي وكيف جلست إلى جواره في سيارته وكلاهما لا يعلم وجهته القادمة. 

تعليقات



×