رواية لاجلها ( كاملة جميع الفصول ) بقلم امل نصر


 رواية لاجلها الفصل الاول 


داخل قرية صغيرة تتبع مركز من مراكز المحافظة الجنوبية الشهيرة، لكنها تبتعد بمراحل عن الحضر واوجه التقدم، حيث الاحتفاظ بالعادات المتوارثة عبر الأجيال، برفض تام عن التخلي عنها حتى لو كانت سيئة وتتسبب بالعديد من المأسي، ومن يستطيع محوها او تغيرها مدامت الاذية لا تطول الا الطرف الضعيف وفقط !

امام المراَة وقف عرفان الأشقر وهذا اللقب الذي أطلقه اهل البلدة على عائلته نظرا لصفات الشكلية المميزة لعائلته، بشرة فاتحة بشدة لأفرادها وبفرق ملحوظ عن باقي العائلات، بالإضافة إلى سمات أخرى زادت من تثبيت الأمر كألوان العيون المختلفة 
كان في هذه اللحظات يعدل من وضع العباءة السوداء فوق أكتافه، لينثر عطره الفواح الثقيل حول جسده الضخم ، فيتأمل هيئته المتأنقة بتخايل وغرور، وكأن العمر لا يمر عليه، مدام بصحته وعنفوانه ولا ينقصه شيء.

- كفاية بص على نفسك في المراية يا ابو الولاد لتتخايل، دا انت رايح شغلك مش بتتهندس لخطوبتك يعني.
صدرت الكلمات من خلفه من زوجته صفا والتي كانت تطالعه بعدم ارتياح فهي الأدرى بغدره ان اراد وقرر ، فجاءت إلاجابة منه كالعادة بابتسامة مستخفة يغيظها:

- كل مرة اجف ع المراية جلبك ياكلك يا صفا، هتموتي من الخوف لاعملها واجيب التالتة.
واكمل بضحكاته يتراجع للخلف كي يرتدي ساعة يده، غير عابئًا بالنيران التي اشتعلت بها حتى صارت تهتز بجسدها أمامه معبرة عن سخطها:

- طب اغلط واعملها يا عرفان ، عشان أن ما كنت اولعلك فيها حية مبقاش انا صفا، مش انا اللي اقبل بضره يا حبيبي. 

اطلق ضحكته عالية يسخر من منطقها في الحديث معه:
- ما انتي قبلتيها على نفسك زمان تيجي ضرة على اللي سبقتك، دلوك لما اتمكنتي بترفضي ان يحصل معاكي اللي حصل مع غيرك، صحيح اما عجايب دي والله

سمعت منه لتشتعل ثورتها بذكر عدوتها اللدود منذ أن حطت قدميها بداخل المنزل أو من قبل على الأصح:
- متجمعش ولا تقارن بيني وما بينها يا عرفان عشان انا مرة كاملة من كله، واللي جابني هنا ضرة عليها انها ناقصة عني وعن كل الستات، متخلنيش افتح على أول الصبح ، عشان حسي ميطلعش ويوصلها هي تحتينا في الدور الأول وانت مش ناقص نكد.

استطاعت بكلماتها ان تعكر من صفو مزاجه الرائق صباحًا، ليحتل العبوس ملامحه فيزجرها محذرًا:
- خلاص اجطمي وفوضيها، واصطبحي وجولي يا صبح، انا غاير وسايبهالك خالص جفلتيلي اليوم من اوله ببوزك الفقر.

انهى الكلمات يضع محفظته الجلدية داخل جيب الصديري الذي يرتديه، ليستدير متوجهًا نحو المغادرة، ولكن ما هو سوى خطوتين حتى التف برأسه قائلا بتذكر:

- حريم بيت العيسوي احتمال يجوا يزوروكم النهاردة او بكرة، متسينش تبلغي ليلى وامها يعملو حسابهم، جاكم الهم انتو التلاتة. 

بصق كلماته وخرج من المنزل تتبعه ابصار صفا التي تبدل حالها للنقيض ، وابتسامة شيطانية ارتسمت بثغرها تغمغم بمرح مفاجيء بعد حديثه:

- حريم العيسوي جاين يزرونا النهاردة، يا حلاوة يا ولاد،، يا ترى رد فعلك هيبجى ايه يا مزيونة لما تعرفي اللي فيها؟ دي شكلها جربت جوي يا صفا
❈-❈-❈

وفي الطابق الأسفل 
من خلف نافذة المطبع التي تتوسط الحائط، والمؤدية إلى الحديقة الأمامية الصغيرة لمنزلهم، حيث الأشجار التي قامت بزراعة معظمها، هي وباقي أحواض الخضروات، لتتمتع برائحتها ومشاهداتها كما يحدث الآن وهي واقفة تراقب سرب الطيور التي بلغت اصواتها حد الازعاج في هذا الوقت من الصباح ، تتقافز وتلهو وتطعم صغارها على الأغصان والفروع لتشهد ميلاد يوم جديد، تدور معه الحياة في دورتها الطبيعية 

ولكنه ليس عاديًا بالنسبة لها، هو مختلف عن بقية الأيام السابقة، فهذا يوم الحصاد؛ حصاد تعبها وتحملها لمرار لا يحتمله بشر، من اجلها، من اجل صغيرتها التي تعد لها طعام الأفطار الآن قبل أن تقوم بإيقاظها ...

انتبهت فجأة على قرب فوران إناء الحليب فوق الموقد الغازي، لتسرع في إطفاء نيرانه، ثم رفعته لتصغه على الصنية النحاسية المتوسطة بجوار باقي الأطعمة، لتحملها وتخرج بها متمتمة بالأدعية والإستغفار حتى تصل إلى داخل غرفة صغيرتها، وينطلق لسانها

- ليلى يا نن عين امك ، ليلى يا عمري كله، جومي يا بت النهاردة نتيجتك. 
حينما لم تجد ردا كعادتها خطت حتى اقتربت تجلس بجوارها وتهزهزها بخفة من كتفها وبصوت حنون :
- ليلى يا ليلى، جومى ياضي عين امك، يابت جومي .

استجابت ابنتها تصدر صوتًا متذمرًا وهى تشد الغطاء عليها اكثر وقالت بصوت ناعس:
- اممم، سيبنى انام شوية ياما، الوجت لسه بدرى .

نهرتها مزيونة بضيق:
- بدري من عمرك ياعين امك ، جومي يابت بلاش دلع.
لم تتأثر ليلى بل تابعت تغمغم بصوتٍ ناعس وكلام غير مفهوم.:
- امممنمن .
منعت مزيونة ضحكة ملحة بصعوبة وهي تزيد بهزهزتها وتذكرها:
- يا بت جومى وبطلي كسل بقى، خلينا نطمن على نتيجتك النهاردة ونشوف مستقبلك رايح لفين

- ماشي ماشي......
تمتمت ليلى بالكلمات توميء برأسها بنعاس وكأنها تراضيها ، لتشد عليها الغطاء وتعتدل بنومها للجانب الاخر مما أثار استياء والدتها وحنقها فهدرت فيها صائحة بصرامة:
- جومى يابت، هافضل اصحى فيكى اليوم كله ولا إيه؟ جومي اخلصي بلاجلع ماسخ .
انتفضت ليلى بزعر هذه المرة تأثرا بلهجة والدتها الحازمة وهي تعتدل بجذعها في الفراش لتحاول الجلوس والإيقاظ، فهي على قدر محبتها لوالدتها الحنونة، على قدر خوفها منها حينما تغضب.. لتردد لها بمهادنة:
- انا جومت اها ياما، انا فوقت وصحيت كمان.
نهضت مزيونة من جوارها وهى تحدثها بحزم :
- طب يالا استعجلى وقومي من فرشتك دي ادخلي الحمام واشطفي ولا صلي على ما اروح اوكل الطير كمان وافتحلو عشته
اومأت ليلى رأسها بطاعة وهي تهم للقيام والنهوض بجذعها، لكن بمجرد ذهاب مزيونة وتحركها، سقطت للدخول مرة ثانية فى الفراش لاستكمال النوم حتى اجفلتها صرخة مزيونة من الخارج وكأنها داخل الغرفة معها:
- اخلصى يابت جومى
انتفضت بفزع تأثرا بصرختها تردد بنشاط مفاجيء :
- حاضر ياما، انا قومت المرة دي صح والنعمة قومت.
..........................

بعد قليل كانت ليلى تضع اللمسات الأخيرة فى لف حجابها امام المراة، بعدما تناولت طعامها وقد أدت فرض الصلاة كما عودتها والدتها، والان هي تتجهز للذهاب، برفقة تلك الواقفة خلفها تراقبها بأعين تفيض بالحب، حتى إذا انتهت لم تقوى على كتم ما يجول بخاطرها، فور أن التفت نحوها :

- حلوة كدة ياما
- بدر منور يا جلب امك 
تمتمت نعيمة بالرد تقبل وجنتها الناعمة فتتلمسها بأناملها مرددة :
- من ساعة ما خلصتي الإعدادي وكل الناس تقريبا بتكلمني عنك، اللي عايزك لولده واللي عايزاكي لاخوها، وانا طول الوقت بنكر واعمل نفسي مش شايفة، لكن الحقيقة كل يوم تظهر جدامي كيف عين الشمس ، بت جلبي كبرت وبجت احلى بنية في بر البلد كلها، تُسر العين وتشرح القلب 

- يعني بجيت عروسة زينة صح ياما زي الناس ما شايفاني؟ 
تفوهت بها ليلى بعفوية ندمت عليها بعد ذلك فور أن انتبهت لملامح والدتها التي تبدلت لغضب مفاجيء تحذرها:
- انا جولت احلى بنية، انما عروسة دي بعيدة خالص، لسة جدامك سنين طويلة على ما تخلصي السنة الاخيرة في الثانوي وبعدها سنين الكلية ولو طلبت تعليم اكتر برضو مفيش مانع، لكن قبل كدة لا، كام مرة هنبه عليها، ولا انتي ناسية اننا رايحين دلوك نشوف نتيجة السنة، والله ما تكوني نازلة درجة عن السنة اللي فاتت لا تبجي بتي ولا اعرفك يا ليلى. 

سمعت منها الاخيرة لتسارع في ترضيتها والتلطيف معها:
- لا والله ياما ما تجولي كدة، اهون عليكي برضو، دا انا حبيبتك ليلى اللي هتشرفك وترفع راسك جدام البلد بحالها، وهي الواحدة ليها ايه غير تعليمها ووظيفتها بعد كدة ان شاء الله؟ دا عهد وخدته على نفسي ياما .

عاد وجه مزيونة للإشراق مرة اخرى، وقد طمأنتها ابنتها بما تتمناه لها وتسير على خطاه، لتحتضنها متمتمة بالادعية ان يحدث ما تصبو إليه، لتبعدها بعد لحظات تلقي نظرة اخيرة على ما ترتديه من ملابس محتشمة زاهية تتمثل في دريس صيفي واسع وحجاب كبير غطى نصف صدر الفستان بلونه الزهري لينعكس على وجهها فاظهر تورد وجنتيها الطبيعي دون مساحيق على بشرتها الخمرية تزيد من فتنتها وتضاعف من خوف مزيونة لتتبع بالآيات الحافظة لها من أعين الحاسدين، حتى إذا انتهت صدر التعقيب من ليلى:

- يعني عمالة تقري وتحاوطيني بالقرآن ومش واخدة بالك من نفسك، وأنت الناس بتفتكرك صاحبتي مش امي، دا انتي احلى مني يا مزيونة، ليه مش حاسة بنفسك؟

ابتسامة باهته احتلت محياها في استجابة ضعيفة لتصريح ابنتها عن شي فقدت معناه منذ انجابها لها، شيء أصبح التذكير به يؤلمها لفرط ما جرحت كرامتها به!

- انت هاتفضلي بصالي كدة كتير يامّا؟ يا ست الحبايب اليوم هيروح مننا
هتفت بها ليلى لتنتشلها بمرحها من شرود يرهقها، فتواصل بتفكه:
- واعملي حسابك تتجلي جيبك عشان أن شاء الله لو النتيجة كانت عالية عمي بيومي الفراش ولا زملاته ما حد فيهم هيعتقك قبل ما ياخدو الحلاوة 
- زملاته العمال كمان؟!
قالتها مزيونة لتخرج حافظتها النقدية، فتخرج مجموعة من الاوراق المالية تلوح بها امامها:

- دا انا على كدة احمد ربنا ان خالك عدى عليا امبارح واداني ايجار الزرعة طازة، قبل ما اتصرفلك فيهم، ساعتها بجى مكنتيش هتلاقي غير صفا ، تروحي تقنعيها تكلم ابوكي يديكي .
هللت ليلى بلهفة برؤية النقود، معقبة على ذكر صفا بسخط:

- ربنا ما يعوزني ليها الله جاتها ضربة في كرشها الكبير دي كمان، دي عليها شوية تجل دم يامّا تقوليش سم، اعوذ بالله ، انا مش عارفة ابويا حاببها على إيه بس ؟
ردت مزيونة بابتسامة ساخرة:
- عشان هو كمان دمه تقيل ياعين امك، مش بيقولك الطيور على اشكالها تقع .
ابتسمت ليلى بشقاوة وهي تتناول مجموعة من النقود داخل حقيبتها متمتمة:
- طيور ايه بس يامّا؟ دا ابويا كيف الحيطة وصفا كيف الباب، انهي طيور اللي تبقى بالوزن ده .

استطاعت بطرفاتها ان تؤثر بوالدتها التي صدحت ضحكتها النادرة ، تقهقه من قلبها، فتتمنى الصغيرة لو استطاعت ان ترسم الابتسامة دائما على وجهها وقد شبع منها الحزن وشبعت منه، لتشاركها الضحك هي الأخرى حتى تحركتا متخذين طريقهما نحو الخروج والذهاب إلى المدرسة لاستطلاع نتيجة امتحان الصف الثاني لها في الدراسة 

❈-❈-❈

وفي مكان آخر 

داخل منزل حماد القناوي، في الطرف الاخر من القرية، والذي يتكون من مبنى كبير يتسع لجميع أفراد العائلة بعدد من الشقق لكل فرد وأسرته، ولكن يجمعهم الترابط في كل شيء الطعام والعمل وكافة الشئون الحياتية، بتنظيم مدبر من السيدة الكبرى الحاجة حسنية زوجة الرجل صاحب المنزل الذي توفاه الله وتكفلت هي بإكمال رسالته ، يساعدها ابنها حمزة اكبرهم في تدبير الشئون معها، والذي كان في هذا الوقت داخل الساحة الخارجية الشاسعة، حيث تدريب الصغار من أبناء اخوته وولده الوحيد على ركوب الخيل بمساعدة عمهم معاذ اصغر اشقائه، والعضو الأقرب إلى قلب الكبير.

- شد ضهرك زين يا واد، وجمد جلبك الحصان ميحبش اللي يخاف منه.
- حاضر يا عم بس انت متزعجش عشان بيخاف من صوتك انت كمان .
قالها الصغير الذي يمتطي الفرس ويسير به بروية تنفيذا لتعليمات معاذ الذي صدحت ضحكته ردًا عليه، فعلق من خلفهم حمزة الذي شاركهم المرح هو الآخر:

- جدع يا ريان متستكلوش، وخليه يشوف شطارتك، عشان ميظنش انه هو بس اللي خيال في البيت ده.

- وه عاد، كدة الواد هيصدق نفسه يا عم حمزة
تمتم بها معاذ يسبق الصغير ريان والذي جاء رده بتفاخر:
- بكرة ابجى خيال أمهر منك كمان ، حتى بص الحصان ماشي معايا كيف.

- طب كمل بجى لوحدك يا ناصح. 
صدرت من معاذ ليتركه بالفعل بعد ان اطمأن من جاهزية الفتى للاعتماد على نفسه، وعاد يتخذ مقعده بجوار شقيقه الذي كان يرتشف الشاي أسفل إحدى الأشجار العالية في الفناء الضخم يتابعهم، والذي علق يستقبله

- أنا جولتلك من الاول ما تخافش عليه وسيبه ياخد ع الحصان والحصان ياخد عليه.

- بس انا مش خايف عليه انا خايف ع الحصان 
قالها معاذ بمناكفة اضحكت شقيقه الأكبر، والذي لوح بغصن اخضر من الشجرة كان قد تم قطعه سابقًا، يدعي انه سيضربه:

- هتتشقلب يا شيخ معاذ على اخوك الكبير وولده، شكلك عايز ظبط وربط من بتوع زمان ولا فاكر نفسك كبرت ياض عشان بجيت مهندس ولا إيه؟

اسنجاب الأخير يجاريه في مزحته:
- لهو انا أجدر برضو اغلط في الكبير ولا واد الكبير، السماح يا كبيرنا السماح .

توقف حمزة عن محاولاته والضحك، ليتنبه بعد ذلك حينما ارتفعت ابصاره لأعلى نحو الشرفة الكبيرة للمنزل حيث مجلس والدته مع بعض شقيقاته، وزوجة شقيقهما الثالث، وقد بدأ انهن يتابعن ما يحدث، 

- عاجبك كدة، اخواتك البنات ومرة اخوك هيمسكوا عليها سنة كاملة دي.
عقب بها معاذ يدعي استياءًا جعل شقيقه يعود لمشاكسته بتسلية:
- ايوة عشان يعرفوا ان انت مهما كبرت برضو هتفضل جلوعة العيلة، وأصغر واحد اهزقه براحتي. 

انفعل معاذ يتحدث بتشدق:
- تاني يا عم جلوعة، باين الحكاية دي محدش شايفها 
غيرك يا كبير، اصل امك رايحة جاية تلمحلي عن بنت عمك، شكل مرات اخوك اقنعتها بما اني خلصت الكلية خلاص، وبما ان شجتي جاهزة للجواز على طول.

- وه.
تمتم بها حمزة يناظره باهتمام شديد وقد اثار فضوله :
- طب وانت رأيك ايه؟ ليك غرض لبت عمك ولا عينك على غيرها ؟

- يا سيدي لا عليها ولا على غيرها، هو انا لسة خدت نفسي من الدراسة اصلا، ادخل في حوار جواز ووقعة كبيرة ما يعلم بيها غير ربنا كدة دوغري 

توقف يلحق الحصان يوقفه، لينزل ريان من فوق ظهره، ثم يأخذ مكانه ويعتليه، فيتابع :
- انا لسة جدامي كتير يا واد ابوي، حاجات بالهبل عايز انفذها، اقل حاجة فيهم الوظيفة اللي لازم امسكها وأسس نفسي وبعدها افكر في الجواز، استعجل ليه انا على المسؤلية والهم، عن اذنك بجى.

تبسم حمزة يطالعه باعجاب وهو يتحرك للابتعاد وقد اللجمه على المجادلة، فلم يملك سوى سؤاله:
- طب وانت رايح فين دلوك بالحصان؟

- هروح اللف شوية في البلد واشوف الزرعة، ويمكن اعدي على صحابي، بس ان شاء الله اجي بدري. 

- يبجى جدامك للعشية على الاقل 
ردد بها حمزة من خلفه، ليهديه ابتسامة قبل أن يهرول مبتعد بفرسه نحو وجهته، فعاد لابنه ذو السبع سنوات وقد وجد ضالته في اللعب بالكرة مع أبناء عمومته، ليطالعه بحسرة، لأنه الوحيد بين اقرانه الذي لا يملك ام أو اشقاء، نظرا لظروف طلاقه من والدته منذ سنوات بعد تجربة فاشلة، أثارت في قلبه عقد عطلته حتى الآن للعثور على البديلة التي تصلح لتربية طفل وملء عقله كرجل، فربما قد تجد بعد ذلك مكانا بالقلب. 

❈-❈-❈

عودة إلى مزيونة التي دلفت منزلها بصحبة ابنتها وفمها لا يتوقف عن إطلاق الزغاريد، فرحًا وابتهاجًا بالمجموع الكبير الذي حصلت عليه عزيزتها، مما يعزز فرصتها في العام التالي لتحقيق غايتها بنتيجة تمكنها باللحاق بواحدة من الجامعات الكبرى، كي تؤسس لها مستقبل يضمن لها حياة كريمة بعيدا عن المصير البائس الذي حل بها هي بزواجها المبكر. 

ولج خلفها الجيران والأحباب يشاركنها الفرحة بالتهاني والمباركات 
- يا الف مبروك يا مزيونة، ربنا يباركلك فيها وتبجى اعلى الناس، 
- ايوة يا بت يا ليلى شدي حيلك خلينا نفتخر بيكي، كفاية تطلع واحدة من البلد بدل ما كلنا موكوسين
قالتها احداهن لتصدح الضحكات من البقية فيأتي رد مزيونة التي كانت فرحتها تصل لعنان السماء. 

- يبارك فيكم يا حبايب يا غاليين، منحرمش منكم ولا من دخلتكم عليا ، ربنا يفرحكم بعيالكم انتو كمان وادعولنا تكمل معانا على خير

- ان شاء الله يا مزيونة بس احنا عايزين حلاوتنا. 
- حلاوة وبس، دا انا هفرق النهاردة شربات من الغالي، لازم الكل يشرب حلاوة النجاح، نجاح البرنسيسة ليلى 

قالت الأخيرة بغبطة جعلتها تحتضن الأخيرة والتي  تمثل فرحها الحقيقي ليس بالمجموع الكبير ولا بالنتيجة التي حققتها بعد اجتهاد، وإنما هو تلك السعادة التي تجلت بوضوح بوجه مزيونة الحزينة الدائما، وقد أشرقت الآن وكأنها فتاة في مثل عمرها  ولم تتزوج من الأساس. 

❈-❈-❈

وصلت أصوات الضجيج في الطابق الأعلى إلى الزوجة الثانية صفا وقد عرفت من ابنها الصغير عن سبب الصخب الدائر في الأسفل بعد عودة مزيونة وابنتها من الخارج، وقد أتى إليها بكل الحديث الذي سمعه من النساء في الأسفل، لتزداد ابتسامتها اتساعًا وتسلية ، يقتلها الشوق لمعرفة رد فعلها حين تعلم بما يدبره زوجها بغفلة منها، لذا عليها التروي وعدم الاستعجال 

وبالفعل صبرت صفا حتى خفت اقدام المهنئين والمباركين قبل أن تنزل إليها، فوجدتها كما توقعت، تلملم الأثاث كي تنظف المنزل من فوضى توزيع المشروبات وحلوى النجاح على  المهنئين داخل المنزل وخارجه، وكل المنازل القريبة منهم.

- مبروك يا مزيونة لنجاح بتك .
قالتها بعد ان وقفت في نصف الدرج، لترفع الاَخيرة ابصارها إليها فتراها من اعلى بهيئتها المقصودة، والتي تتفنن بها دائما، كي تذكرها بالفرق القاسم بينهما.

هي وقد كانت ترتدي مئزر محتشم إلى حد ما، لكنه لا يخفي المنامة الصاخبة بلونها الاحمر في الأسفل من تلك الفتحة الكبيرة الجانبية، شعرها المطلوق للخلف وحول جانبي وجهها،، وألوان مساحيق عديدة تغطي البشرى المكتنزة وتلك العلكة التي أصبحت سمة اساسية بها، كلما تكلمت وخاطبت تلك المسكينة التي لم تخلع عنها الملابس السوداء منذ وفاة والدها منذ خمس سنين مضت، وما فائدة الألوان ان كان القلب مشبعا بالحزن.

هذا وبرغم الفرق الواضح في العمر بينهما فصفا تزيد عنها بست سنوات ولكنها نالت الدلال والحظ الاوفر اما هي فقط كتب عليها الشقاء منذ زواجها بعرفان الأشقر. 

- الله يبارك فيكي يا صفا....... عقبال ولادك.
سمعت منها المذكورة لتكمل النزول بخطوات بطيئة قائلة:
- لا انا عارفة ولادي يا حبيبتي آخرهم اعدادية اذا وصلولها كمان، ويعني لو كملوا هياخدوا ايه؟ كفاية عليهم بس يفكوا الخط  ويساعدوا ابوهم في تجارته، هو مش عايز اكتر من كدة، بلا تعليم ولا وجع دماغ.

كظمت مزيونة غضبها بصعوبة، فهي الاعلم بقصد هذه الافعي في تعكير صفو فرحتها بابنتها، ولكن لن تدعها تنال منها:
- عندك حق، هما آخرهم يساعدوا ابوهم، وبعدها يفتخروا باختهم أن شاء الله،  حكم دي دونا عن عيال عرفان بتحب التعليم زي أمها.

ضحكة قميئة تجلت السخرية بها بوضوح صدرت من صفا تعلق على كلماتها :
- على رأيك، بتحب التعليم زيك، انا بجى عيالي بيحبوا الفلوس والدلع زي امهم، البت تتجوز عشان تتهنن والواد يمسك مع ابوه تجارته، كل واحد بيورث حظ امه

هكذا وفي في كل مرة تلقي بكلماتها السامة بالتقليل منها ومن اي شيء يسعدها في إصرار متعمد بإدخال الحسرة في قلب مزيونة، وتذكيرها بمكانتها عند عرفان، حتى لا تظن في يوما ما أن فرق السنوات بينهما او جمالها الواضح للعيان قادر ان يجعلها تتفوق عليها او تأخذ مكانها في قلب الرجل الذي استطاعت ان تستحوز عليه بمكرها ومؤمرات نجحت فيها ومازالت تفعلها حتى الآن.

- ولا إنتي ايه رأيك؟
بابتسامة كاشفة تطلعت إليها مزيونة ترد لها الصاع بقولها:
-  طبعا من رأيك، كل واحد بيورث عقل امه،  ان كان تخين وغبي ولا زكي وشاطر ، ولا تافه واهبل مينظرش غير تحت اجدامه، وانا بشكر ربنا فى كل صلاة  ان بتي ربنا كملها من كله، حلاوة مفيش بنت في البلد زيها وعقل امها اللي كل الناس تشهد بيه

اجادت مزيونة قصف جبهتها لتعكر من مرحها ، فجاء ردها بابتسامة صفراء خط بها فمها تغير دفة الحديث نحو الجهة التي تريدها:
- ربنا يخليهالك، هي فينها بجى عشان اسلم عليها واباركلها، دا انا فرحتلها جوووي. 

جارتها مزيونة في الرد لتعرف اخر الحديث:
- طلعت يا صفا مع صاحبتها هدى، هتجعد معاها شوية وبعدها تطل على بيت خالها قبل ما تاجي هنا ، انزلي تاني بعد شوية تكون رجعت لو مصرة لسة تباركيلها بنفسك .

زامت فمها تقول بلؤم:
- اممم يعني على كدة مش جاعدة، خسارة كنت عايزة اباركلها بنفسي، بس برضو هي لازمن تخف حركتها شوية وترسى على حيلها، هي معدتش صغيرة، على العموم انا جيت ابلغك يا نعيمة تعملي حسابك حريم بيت العيسوي احتمال يجو على البيت النهاردة ولا بكرة،  متنسيش تعملي حسابك 

- اعمل حسابي في ايه بالظبط؟ وحريم العيسوي جاين البيت ليه اصلا؟
جاء التساؤل من مزيونة بنبرة لا تخلو من الدهشة والانفعال، فقابلت ردها الأخرى بمكر تدعي عدم الفهم:
- وانا اش عرفني بجى، ثم ما يجو الحريم يا مزيونة واحنا هنبخل نضايفهم؟ من امتى كنت بخيلة يا نعيمة؟

- وايه دخل البخل في سؤالي، انا بسأل على غرض الزيارة، جايين ليه؟

كالحية المتلونة جاءت إجابة صفا بابتسامة ماكرة:
- وه يا مزيونة، وانا اش عرفني، جوزك جالي ابلغك واديني عملت اللي عليا، اسيبك بجى 

- جوزي!
رددت بها مزيونة من خلفها بسخرية قاتمة، تتبعها بعيناها وهي تصعد أمامها الدرج الذي نزلته منذ قليل، تتغنج بخطواتها عن قصد لم تعد هي تعطي له بالا، لكثرة ما رأت هذا المشهد طوال السنوات التي مرت عليها داخل هذا المنزل ، في عصمة زوج لم يعد يعنيها بشيء، صفتها متزوجة منه، وفي  حقيقة الأمر هي امرأة عزباء تجاهد في الحياة من اجل ابنتها وفقط، ولا اي شيء اخر، ولكن لما ينتابها القلق الآن من بعد حديثها؟ وما سر تبليغها بهذا الأمر، وهي من الأساس بعيدة كل البعد عن كل ما يخص أمور العمل وما يتعلق به من اشياء اخرى، يُقدم الأخرى في كل شيء وهي موضعها الهامش وقد ارتضت به موقعا، مدامت بعيدة عن يده وتتقي شره، ترجو الا يفعل شيء يعيدها لنقطة البداية وما يتخللها من مأسي مازالت محفورة برأسها.

❈-❈-❈

قضت نصف النهار مع صديقتها الأقرب ، كما انها تناولت وجبة الغداء عند خالها الوحيد وصفي وابناءه، بعد أن اخذت الإذن من والدتها التي سمحت لها اليوم لفعل ما تشاء حتى تفرحها، كما أدخلت هي السعادة بقلبها، بالنجاح الباهر في الصف الثاني الثانوي،  قاطعة نصف الطريق في اتجاه غرضها الأساسي في الالتحاق بالجامعة التي تتمناها.

جاء الآن وقت العودة ولكنها لم تنسى تعليمات مزيونة بالذهاب إلى منزل جدها القديم،  كي تطل على برج الحمام المتواضع بداخله والذي يبلغ بناءه من عمر المنزل بعشرات السنين ليظل شاهدا على عظمة البناء رغم انه طيني ومتشقق نتيجة عوامل الزمن التي تركت أثرها به، ولكنه عفي كما تصنفه مزيونة 

اطعمت الحبوب للطيور ثم قامت بتنظيف اعشاشها من المخلفات العضوية والتي يتم جمعها داخل اشولة للاستخدام بعد ذلك لاغراض تخصها.

حينما انهت كل شيء خرجت إلى الساحة المؤدية نحو الزرعات لتغتسل من مجرى المياه القريب ، مستغلة خلو المنطقة من البشر في هذا الوقت من المغرب، وقد ذهب المزارعين والعمال إلى منازلهم .

وفي الناحية الأخرى كان هو في طريق عودته إلى منزل عائلته بعد قضاءه وقتًا لا بأس به مع اصدقائه، وباقي اليوم تريض بحصانه داخل الحقول الزراعيه من أملاك عائلته ، حتى شعر بتعب الحصان وحاجته للشرب، ليتوقف بالقرب من المجرى المائي الذي يعرفه في هذه المنطقة، وتتسمر قدميه نحو اجمل صورة تلتقطها عينيه، حتى كاد أن يكذب ابصاره لروعة ما يرى 

❈-❈-❈

بدأت تسير بكفيها المبللة بالمياه على سائر الخصلات المبعثرة من شعرها الغجري الزاهي بلونه العسلي والتي انعكست عليها أشعة الشمس لتزيده سحرًا.

غافلة عن ذلك المتجمد محله منذ آن نزل عن حصانه وتوقف بالقرب منها، بغرض ان يسقيه من ذلك المجرى المائي، ليدهش بتلك الحورية، وثوبها الزاهي برسوم الزهور المنتشرة على انحائه. 

لم يكن ابدا من المتربصين بالفتيات الجميلات او حتى تتبعهم وتعمد النظر اليهم، لكن في مثل تلك الحالة كيف يجد القدرة لأن يتغاضى او يتجاهل؟ يراقبها الآن وهي تعبأ الكفتين الصغيرتين بالمياه تدفعها على بشرتها مرة واثنان وثلاثة، ثم تجففها بطرف شالها الناعم والذي وضعته على رأسها بعد ذلك لتلتف فجأة؛ فتتقابل عينيه بوجه البدر 

ذلك الوجه المستدير وتلك الملامح الفاتنة، بلون العيون المشابه للون الشعر ، حتى ذكرته بتلك الفناتة الشهيرة في صغرها 
- ليلى علو........

لم يكمل الاسم وقد تفاجأ بها تهدر به موبخة بعد ان تحولت تعابيرها من الإجفال برؤيته إلى الغضب الشديد:

- انت مين؟ وايه اللي موجفك في وشي كدة تسد عني الطريج. 
استدرك لخطأه بالفعل،  فتحرك بحصانه يبتعد به للخلف مرددًا باعتذار:
- اسف والله، انا كان غرضي بس اسجي الحصان واتفاجأت......

- غرضك ولا ماغرضك ما يخصنيش
قاطعته بها بحدة، لتتحرك وتتخطاه ذاهبة نحو وجهتها، فتركزت ابصاره تتبعها وهي تغمغم بحنق يحق لها:
- واجف زي التيس سادد الطريج في وشي، جال ويندهلي بإسمي، وعايز يشرح ويحكي، جلة حيا.

- تيس .
تمتم بها بخجل من نفسه، يعطيها الحق في سبته وشتمه ايضًا فهذا الفعل لم يكن ابدا من اخلاقه، ولكن....
توقف فجأة وتوسعت عينيه باستدارك لباقي عبارتها، مرددًا:
- ليلى، واسمها ليلى كمان؟!
تابعها بعيناه وهي تختفي من أمامه ذاهبة نحو وجهتها،  وشيء ما داخله يحثه على الذهاب خلفها ولكنه يخشى رد فعلها بعد نعته منذ قليل بالتيس، ربما المرة القادمة يتحول السباب إلى عرض مجاني للجمهور من اهل البلدة، ولكن لما هذا الخفقان القوي من ذلك الصغير بصدره؟ كيف لطيف امرأة ان يفعل الأفاعيل برجل مثله؟ وهو الذي يتخذ الاخلاق الكريمة منهجه ويغض البصر عن جميع النساء إلا عن هذه الفتاة، وكأنها طاقة من السحر قد أسر داخلها 

صهل الحصان بقوة ليفيقه من غمرة الشرود الذي لفه لينتفض مستدركًا حجم جرمه، معبرا له عن اسفه:

- وه، دا انا نسيت ان احنا جايين هنا  ليه؟ سامحني يا عزوز ، دلوك اخليك تشرب وترتوي. 

قالها ليقوم بسحبه باتجاه المجرى ينفض رأسه من أفكارها الحمقاء مغمغًا بحديث نفسه فور أن انقض فرسه على الماء يرتشف منه بعطش:

- دا انت شكلك عطشان جوي يا جزين، معلش بجى اعذر صاحبك المرة دي، واوعدك ان مش هتكرر تأتي،  احنا من امتى اصلا بنبص على الحريم، ودول ميجيش من وراهم غير الهم و........... 

قطع جملته فور أن وقعت عينيه على ذلك الشيء، أسفل قدميه، ذلك المتلصق بالأرض الطينية المبتلة، دنا يرفعه إليه يستكشفه، وقد بدأ واضحًا في كفه، اسورة نسائية قديمة من الذهب المثقل، صغيرة الحجم لكنها رائعة التصميم، بها نقش صغير جدا لكلمة، لا بل........
ارتسمت فجأة ابتسامة كبيرة بثغره مغمغمًا بالأسم الذي استكشفه بعد تأمل دقيق:
- ليلى! يعني كمان زيادة تأكيد بأسمها، هي ايه حكايتك معايا بالظبط يا ست ليلى؟

❈-❈-❈

عاد إلى المنزل بعد انتهاء جولته داخل البلدة بتلك الخاتمة الغريبة، والتي مازالت عالقة بذهنه حتى الآن، يده تتحسس الاسورة داخل جيب جلبابه كل دقيقة ، وعقله يشرد بصاحبة العيون الجميلة والجدائل الغجرية المتمردة ، حتى انفعالها به ونعتها بالتيس.

- وه دا الشيخ معاذ وصل اخيرا كمان يا ولاد، سقفولوا انه ما بيتش في الزرعة ولا هو راكب ع الحصان. 
صدرت الكلمات من والدته التي كانت تجلس بصحن الدار تستقبله بسخريتها، مما جعله يبتسم مقابلا تهكمها بالضحكات مشاركا مرح الاطفال الذين التفو حوله بالتهليل وكأنها قالت مزحة اسعدتهم:

- الله يجازيكي يامة، وصلت كمان للنومة ع الحصان
قالها يقبل الأطفال قبل ان يصرفهم بلطف ويحل محلهم جوارها مشاكسًا:

- ست الحبايب شكلها رايقة وعندها غاية تتمقلت عليا .
مصمصمت حسنية بشيء من الضيق:
- لا يا غالي مش بتمقلت، بس انت حالك صح ما يعجبش حد، خلصت كليتك وفضيت للسرمحة، طب حتى فضي وقت لأمك ولا الجعدة مع اخواتك، طول اليوم يا مع صحابك، يا ع الحصان بتلف ع البلد.

قابل معاذ انتقادها بروية ولطف يهادنها :
- مع ان الكلام في شوية من المبالغة، لكن ماشي يا ست الكل، انا يمكن صح مجصر معاكم من ساعة ما خدت الاجازة، بس انتي لازم تعذريني ياما،  انا بجالي شهور في الدراسة وحرق الدم، ما صدقت ارجع البلد وانسى أسيوط والجامعة والدنيا كلها لأجل ما اعيشلي يومين وانطلق على حصاني زي ما بتقولي ولا مع اصحابي،  المهم اصفي عقلي من المسؤوليات،  ما هي اصلا جاية جاية، فيها ايه بجى لما اعيش الاجازة بكيفي. 

- امممم
زامت حسنية بفمها تدعي تفهمًا، ثم تتابع ويدها تتلاعب بحبات المسبحة التي لا تتركها إلا للضرورة:
- وعلى كدة بجى اجازتك دي هتطول ولا ناوي تجصر وتفضى للكلام اللي فتحناه قبل سابق. 

سألها بعدم تركيز:
- كلام ايه؟
- الموضوع اياه
- اي موضوع ياما انا مش فاكر والله
- موضوع الجواز يخرب مطنك، خلاص مخك جفل ضبة ومفتاح عن الفهم.

قالتها بعصبية جعلته ينفجر من الضحك حتى استفزها لينعقد حاجبيها بضجر واضح، مما أجبره على التوقف لينهض من جوارها منهيًا النقاش من اوله، قبل أن تبدأ في الضغط على عاطفته كي يزعن لرغبتها وينفذ ما تأمره به في أمر يخصه وحده، ولا يحق لأحد التدخل في اختياره:

- ربنا يسهل يا ست الكل ويعدلها من عنده.
تبعته سائلة وهي تتابعه بعيناها ينصرف من أمامها نحو الدرج يصعده بخطوات متسرعة
- يعني ايه مفهمتش، كدة جصدك ايوة ولا لاه؟
- لا ايوة ولا لاه، انا عايز اروح انام ياما، انااااام

- شوف يا اخويا الواد 
غمغمت بها تمصمص بشفتيها مرة اخرى، فلم يريحها  بالهروب كعادته، لتفاجأ بمن سقطت بثقلها على الاريكة تجاورها، وقد كانت زوجة ابنها الأوسط خليفة،  تسألها بفضول:

- ها يا عمتي، خلاص وافق على اسراء يخطبها،  ولا برضك اجل زي المرة اللي فاتت.

اجابتها بثقة نابعة من شخصيتها القوية:
- حتى لو هرب زي كل مرة، برضو هيرضى  ويوافق في الاخر، انا محدش من عيالي طلع عن طوعي وطلع كسبان يا هالة.

تبسمت الأخيرة لتضيف على قولها بتأكيد:
- ايوة طبعًا، ما هو جدامه حمزة خير دليل، لما جرب وطلع عن العيلة، في الآخر بجى عايش مع ولده لوحده بعد ما طلق بنت البندر، ايوة أمال ايه؟ احنا بناتنا يشهد على جمالهم الكفر كله، وإسراء اختي احلى البنات كلها كمان.

تعليقات



×