رواية امواج قاتلة الفصل الثالث عشر بقلم نداء علي
🔸🔸🔸🔸
وتنقضي الأيام والسنوات رغماً عنا فمن يرجوها أن تتمهل وتنتظره تخادعه وتعطيه وعوداً كاذبه الي أن يصدقها ويغمض عينيه يود التقاط انفاسه ليفتح عينيه ثانيةً وقبل أن يدرك حقيقة ما حدث يجد أيامه قد ولت وأتي اليه عهد جديد لا يعلم من أين أتى.. نظل نتعجب ونتساءل كيف ومتي وأين أيامنا التي نطمح الي عيشها.. لم خدعتنا هكذا ؟.. لقد انتهي العمر بين سوف ويا ليت.. انتهى ولن يعود
استيقظت نوارة من غفوتها تتلفت حولها علها تستمتع الي صوت جاد أو سلمان لكنها لم تجد شيئاً.. هرولت خارج غرفتها باحثه عنهما ولم تر سوى والدتها نظرت اليها قائلة بلهفة : چاد وسلمان فين يامه ؟؟
بهية بتلعثم : انتي صحيتي ليه دلوك.. مش جولتي هتعنسي يابتي؟
نوارة بشك : العيال راحوا فين يامه.. فهد خدهم اياك؟
بهية : يابتي أبوهم وحجه يشوفهم ويشوفوه .
لم تستمع نوارة الي باقي حديث والدتها بل اتجهت الي بيت فهد ذاك البيت الذي يحوي بين جدرانه أجمل وأقسى الذكريات
هتفت بصوتها
فههههد.. فهد يا سياف..
خرج اليها فهد وفي اعقابه شهيرة وجميلة التي فزعت إثر سماعها لصياح نوارة ..
اقتربت جميلة قائلة
مالك يابتي كفالله الشر
نوارة : وهو في شر شوفته اكتر من اكده..
فهد : نوارة.. اجفلي خاشمك ديه ووطي صوتك.. آني معملتش چريمة آني خدت ولادي أشوفهم ساعة وكنت هرجعهم.
نوارة : بعينك يا فهد.. فاهم بعينك تاخد ولادي.. مفكرني هآمن علي عيالي مرة تانية مع واحد جاتل زيك ولا أختك الحرباية اللي واجفة ديه.
ورحمة بتي اللي دمها هيفضل بيني وبينك ليوم الدين لو حوصل وخدت العيال تاني لكون رايحة المركز ومجدمة بلاغ فيكم كلياتكم... آني اللي منعني أبلغ عن موت بتي هو سلمان.. عز عليا سيرة أهله تبجي لبانه في خشم أهل النچع واللي ما يشتري يتفرچ عليكم والحكومة داخل الدار تدور علي ابن شهيرة الكلب ..
شهيرة : وااه.. بتهددينا يابت بهية.. عشنا وشفنا.
امسكتها نوارة بعنف من ملابسها تجرها اليها لحظات وأوقعتها أرضاً تحت قدميها .
كانت نوارة نظراتها مختلفة.. قاسية حاقدة.. كارهه لوجودهم ورؤيتهم
داست بقدمها فوق رأس شهيرة تحت نظرات جميلة الرافضة لما يحدث وذهول فهد من تغير نوارة
جثت نوارة أمام شهيرة ثم رفعت وجهها اليها قائلة:
مفروض اليوم اللي كسرتي فيه يد ميادة كنت أكسرلك رجبتك واريح الناس من شرك.. خابرة وجتها مكانش بناتي هيحصلهم حاجة.. بس آني كنت ضعيفة.. خفت ازعل أمك
وأبوكي وسلمان يغضب علي. بس اها أخوكي هملني وهمل الدنيا وارتاح.. وأبوكي وأمك مجدروش يحموني آني وبناتي.. يبجي تكتمي ومسمعش حسك واصل. فاااهمة.. لما اكون هتكلم مع چوزي سبع الرچال ديه متتحدتيش إنتي ولا تتحشري بيناتنا والاّ هجصلك لسانك
نظرت شهيرة الي والدتها فاقتربت منهما قائلة
بزياداكي إكده يانوارة.. هتضربي عمتك جدامنا
نوارة : عمي الدبب ياخدها ونخلصوا.. آني إتحملتها كَتير بسي خلاص إكده جابت آخرها معاي.. ودلوك هات ولادي يا فهد وصدجني لو جربت منيهم تاني هندمك عالجديم جبل الجديد ياواد السياف .
أخذت نوارة طفليها وتحركت خارجاً ولم يعقب أحداً علي ما حدث لكنها عادت مرة أخري ناظرة الي فهد قائلة بتحدي
أرض بناتي اللي أبوك اللي يرحمه كتبهالهم ومصنع الطوب محدش فيكم يجربلهم بعد إكده آني هتولى مالي ومالي عيالي من يوم ورايح .
فهد : يعني إيه ؟؟
رايدة تُجفي وسط الرچالة تزرعي وتجلعي اياك.
نوارة : ملكش صالح يافهد وإبعد عني احسنلك آني أحب ما علي جلبي اطلج منك وارتاح من شوفتك بس آني خيرتك بين الطلاج وبين إنك تبعد عني وإنت اخترت.. خليك راجل مرة ونفذ كلمتك ولو عالأرض فمتچيش حاچة چنب الجروشات والأراضي اللي سابها سلمان... شجى عمره اللي جعد سنين متغرب لأجل يچمعه وفي الآخر ملحجش يتهنى بيه
🔸🔸🔸🔸
بواحدة من المصحات العلاجية لمساعدة المرضى علي تخطى الادمان وتبعاته كان حماد مقيداً بفراشه الطبي يتأوه بتعب.. بندم.. بحسرة علي ما فاته.. يتلذذ بألآمه ويرى بها جزءا من عقابه الذي يستحقه.. يرفض أن يأخذ ما يقدمه الطبيب من مسكنات للألم ولا يتحدث سوى بكلمات معدودة
أنا السبب.. جاتل.. سامحيني
ولكن هل يكفي الندم.. أم إنه عندما يتعلق بأرواح أهلكناها بأفعالنا لا يفيد ندما علي ما فات.. هل تُقبل توبة التائب أم أن رد الحقوق الي أصحابها شرطاً لقبول التوبة.. هل بعدما ضاع الجميع من أجل أحقاد ورعونة وطيش قد ينال الفاعل فرصة ثانية...
🔸🔸🔸🔸🔸
نظر نوح الي شهادة تخرجه التي كان ينتظرها وكأنها شهادة حياة بفتور وزهد وكأنها لم تعد ذات قيمة.. لما تأخرت في المجيء وهل إحساسه كان سيختلف كثيراً إن حصل عليها قبل غياب ميادة وابتعاد شقيقه وموت حليمة أم أنه بطبعه لا يهفو الا الي الأشياء البعيدة وعندما تقترب يفقد شغفه بها
ترك ما بيده وتوجه الي قسم الشرطة.. لقد اعتاد القدوم الي اقسام الشرطة ومراكز الأمن وهو لم يقربها من قبل
لا يترك مكاناً الاّ ويبحث فيه عن ميادة.. ابنة خاله سليطة اللسان كما كان يسميها.. كانت امرأة بروح طفلة مشاغبة.. كان يختلس النظر اليها أحياناً كثيرة شاعراً انها منه لكنه كان يخشى الاقتراب ربما كان قلبه يدرك أنها ستختفي من أمام ناظريه يوماً ما
🔸🔸🔸🔸
بحفل رائع كانت تنظر بامتنان الي هذا الرجل الذي تعمدت البعد عنه سنوات طوال رغم انه ابن عمها وكان مقرباً منها في الماضي الا انها وعقب زواجها من يوسف استشعرت غيرته القوية من يزيد وعندما رفضت موقفه ذلك أعرب لها عن معرفته بحب يزيد لها وأنه لن يسمح بأي تواصل بينهما وبالفعل استجابت لمطلبه ولما لا وقد كان يوسف محور الحياة ومفتاحها.. كان وجوده يكفي..
ولكن وبعد ابتعاده وانكسار تلك الهالة التي كانت تحيطهما سوياً رأت بيزيد ما لم تر من قبل
يزيد ليس شديد الوسامة كيوسف لكنه يجذبك اليه برجولته.. بحضوره القوي.. بنظراته التي يخصها بها دون الجميع.. عندما ينظر اليها تشعر أن الأمان يحتضنها بيديه..ينتشلها من ماضي قاتم الي حاضر مضيء.. ابعدت ناظريها عن يزيد تبحث عن ميادة.. تلك العطية التي اهداها الله إياها بعد عناء.. تشعر أنها ابنتها وان لم تكن كذلك...
تحدثت الي يزيد بخفوت قائلة
عملت ايه يا يزيد.. قدرت تقدملها في مدرسة مناسبة
يزيد بجدية : انا شايف اننا نأجل الخطوة دي سنة عالأقل.. ميادة مبتعرفش لغات نهائي.. اه هي شاطرة وذكية بس احنا في السويد ولازم تكون عالأقل بتتكلم انجليزي كويس
سهيلة : طيب وبعدين ؟؟
يزيد : هنجبلها مدرسين هنا.. ونقدملها في كورسات شاملة وده أفضل ليها لحد ما تتعود وتاخد عالمكان هنا .
سهيلة : عندك حق.. أنا هكلمها وأتفاهم معاها.. ومتشكرة جدا يا يزيد انك وافقت تغامر معايا وتساعدني أسافر بيها برة مصر
يزيد : مفيش داعي للشكر.. أنا علشانك مستعد اعمل اي حاجة تسعدك.. وهي كمان ملهاش حد يعني تستحق المساعدة.. اومال فين مصطفي ؟
سهيلة : مصطفي قاعد في اوضته من امبارح.. أوقات بخاف عليه بيضحك وبيهزر طول الوقت بس جواه موجوع
يزيد : وانتي يا سهيلة؟
سهيلة : انا خلاص.. ربنا عوضني بميادة وبيك إنت كمان
لم يصدق يزيد ما قالته ليسألها مجددا
يعني ايه..؟؟ ممكن يبقي ليا فرصة
ابتعدت عنه سهيلة مبتسمة بسعادة قائلة
ياريت.. لو لسه شايف ان ارتباطك بواحدة زيي وفي ظروفي يبقي ياريت
هرول يزيد باحثاً عن مصفطي لكي يخبره بما حدث وابتسمت سهيلة بارتياح
بينما كانت ميادة كعادتها مؤخراً صامته
اقتربت سهيلة من مجلسها وأخذتها اليها واضعة رأسها فوق صدرها تحاول أن تحثها علي الحديث ولكن دون فائدة.. انتظرت قليلاً ثم تحدثت اليها قائلة
تحبي احكيلك يا ديدا أنا مين وحكايتي إيه ولا مش حابة تسمعيني دلوقتي ؟
ميادة بفضول لم تفقده : لاه جولي آني من الأول كان نفسي اسألك بس خوفت تزعلي مني.
احتضنتها سهيلة اكثر قائلة
لا ياقلبي أي حاجة تيجي في بالك قوليها ومتخافيش ابدا.. بس ممكن اطلب منك طلب
ميادة : اتفضلي اطلبي..
سهيلة : حاولي تتكلمي زينا كده تقدري ولا صعب عليكي
ميادة بحزن : لاه مهواش صعب.. بالعكس آني كرهت لهچتي وأي حاطة تفكرني بالنطع.. مفيش حاچة هتفكرني بيهم بعد إكده غير تاري وتار اهلي
سهيلة بخوف : تقصدي ايه.. إنتي تنسيهم خالص أنا معنديش إستعداد أخسرك إنتي فاهمة
ميادة بحب : متخافيش.. يلا إحكيلي بجي
سهيلة : حاضر.. هحكيلك واخد رأيك في موضوع مهم اوي
ميادة بشقاوة : موضوع ايه.. استاذ يزيد إياك
قهقهة سهيلة قائلة : يعني نسخة منها وكمان لمضة زيها...
ميادة : هي مين ديه.. بتك
سهيلة : ايوة بنتي... هحكيلك اهو...
🔸🔸🔸🔸
وتمضي أعواماً تهلكنا بمرارتها وهل هناك ماهو أمر من الانتظار.. سنوات قضتها نوارة في انتظار عودتها.. رجوع طفلتها.. كانت تأمل أن تراها ولو لمرة واحدة ولكن لم يحدث.. عاماً بعد عام ويأس الجميع في رجوعها الاّ هي.. دعاؤها الي الله كان مقتصر علي طلبها من الله ان يعيد اليها ابنتها.. أما الأن فهي ترجوه أن يحفظها أينما كانت وإن لم تعد إليها..
كانت تبكي وتبتسم في آن واحد عندما مر بخيالها يوم شبيه بذاك الذي تحياه عندما اصطحبها سلمان خارجا ومعهما ميادة وحليمة
دلفوا سويا الي واحد من المحلات الكبرى بالمدينة واشتري لهم العديد من الاشياء.. اخذهم في جولة لم تحظ بواحدة مثلها من قبل وعندما سألته عن السبب أخبرها ان هذا اليوم يوافق ميلاد طفلتيهما.. كانت تبتسم بسعادة غير مصدقة.. سألته باستنكار وهل عليه أن يدللهما هكذا ويحتفل بمولدهما فتلك سابقة لم تحدث بقريتهم من قبل وأجابها هو أن ابنتيه لابد أن ينعما بحبه طالما كان حياً
خانتها دموعها ولم تستطع أن توقفها بل تحول بكاؤها الي عويل حاد ليقترب منها جاد قائلاً
مالك يامه.. حد زعلك ؟
نوارة : خابر يا چاد.. ميادة اختك النهاردة كملت عشرين سنة.. خابر بجالها كام سنه غايبة عن حضني.. سبع سنين.. عداهم باليوم والساعة..
عدوا هوا ومرارته لساتها چوة جلبي مريداش تفارجه
احتضن جاد والدته ولا يدري ما يقول الا أوه اخبرها ما يتمناه هو قائلاً
هترچع بأذن الله.. مسيرها ترچع
لم تجبه نوارة فهي لم تعد تعلم هل حقاً ستعود أم لا...
🔸🔸🔸🔸
ارتدى نوح ملابسه سريعا فقد تأخر في نومه.. توجه خارجاً قاصداً الذهاب الي مقر عمله.. شركة السياف الهندسية.. أسسها هو وفهد وأصبحت واحدة من الشركات القوية بعالم الانشاءات والمقاولات... رغم انه لم يتجاوز الثلاثين بعد الاّ انه ذو صيت ذائع بين اقرنائه لجديته والتزامه الشديد...
استوقفته شهيرة التي لم ولن تتغير قائلة
وبعدهالك ياولد أبوك.. مهتسمعش كلامي وتشوف العروسة..
نوح : لاه.. متشكر خليها مرة تانية
شهيرة : وااه بتتمتلج عليّ ياواد إياك
خليك اكده جاعد كيه البيت الوجف رابط حالك بواحدة يا عالم عايشة ولا لاه..
نوح بغضب : وآني كنت اشتكيتلك
شهيرة بهدوء : يابني العمر بيچري وانت اللي باجي بعد اخوك ما هچ وفاتنا... اتچوز وافرح بعيالك
نوح : ان شاء الله لما انوي هجولك.. سلام بجى اني آتأخرت جوي .
تركها نوح هارباً منها ومن إلحاحها المستمر ومن نفسه الرافضة للإقتران بأخرى وتوجه الي عمله الذي يلهيه عما يعانيه
🔸🔸🔸🔸
داخل سيارته بعيدا عن المتطفلين اجرى اتصاله اليومي بشقيقه الي ان اجابه قائلا
ايه ياعم حماد.. لساك نايم اياك
حماد : لاه نوم ايه هو اللي عنده عيلة زي دي ينام كيف؟؟
نوح : ربنا يبارك فيها..
صمت حماد قليلا.. فتحدث اليه نوح قائلاً
محتاچ حاچة ياخوي.. في حاجة نجصاك
حماد : نفسي اشوفك يانوح.. اتوحشتك جوي.. خايف اموت ومنتجابلش تاني
نوح : جريب هجيلك بس اخلص الشغل اللي ورايا.. واعرف اتحجج بأي حاجة عمك فهد يصدجها
حماد : لساته بيدور علي
نوح : متشغلش بالك انت.. المهم عندي تبجي بخير.. يلا هسيبك تكمل نوم وسلملي علي مرتك
انتهت بينهما تلك المكالمة اليومية التي تساعد كلاهما علي الاستمرار فرغم شفائه من الادمان وزواجه وتأسيسه لحياة جديدة الا انه لم ينسى ما حدث بل يطارده شبح ضحيته ليل نهار
🔸🔸🔸
كانت تدعي المذاكرة كي لا تنتبه سهيلة الي ما تخطط له.. كانت تفكر وتضع خطوات سوف تتبعها الي أن تصل الي مبتغاها.. سوف تأخذ حقها وحق غربتها تلك السنوات.. منه.. من زوجها المزعوم.. ابن عمتها .. تلك الحية المؤذية التي كانت سبباً في كل ما حدث.. لن تشفق علي أحد ولن تتراجع مهما حدث...
..........
ومرت السنوات.. مضى العمر.. صارت ميادة بال٢٨ من العمر قضت خمسة عشر عاماً بعيداً عن مصر بأحضان الغربة.. تحتضنها سهيلة.. كانت خلال تلك السنوات أماً حقيقية.. لم تبخل عليها بأي شئ وكذلك يزيد الذي جعلها تؤمن ان هناك بعض الرجال الصالحين.. صارت تتقن العديد من اللغات.. درست الهندسة.. مثله.. تفوقت بكل شئ.. لكنها اتخذت قراراً سوف تحترف الفن فصوته العذب وجمالها الأخاذ سيؤهلانها لشهرة واسعة بمصر.. مصر.. الأم القاسية التي دفعتها للهروب بعيداً عن امواجها القاتلة.. ولكن آن أوان العودة.. واسترداد الحقوق المسلوبة