![]() |
رواية تيار الحب الفصل السابع بقلم رباب حسين
لم تنم فلك تلك الليلة، ظلت تحدّق في السقف، في تلك الذبذبات التي لا تُرى لكن يمكن الشعور بها وكأن هناك تيار يخترق قلبها
وشيءٍ ما تغير بداخلها وكأن نبضها لم يعد ملكها، بل صار يتردد بإيقاعٍ آخر، إيقاعٍ يشبهه… يشبه نوح؛ الذي رأى بعيناها، تغلغل داخل عقلها لينسجما كشخصٍ واحد، عرف حقيقة مشاعرها وما تخفيه عنه، نعم هي تعلقت به وتمنع هذه المشاعر من الظهور، وما أضعفها أكثر أنها سمعت صدى أفكاره يتردد في عقلها كلما أغمضت عينيها، تشعر بحرارة غير مبررة حين تقترب منه، حرارة لا تليق بجسدٍ معدني ولا عقلٍ بارد.
أما هو، فكان يتأمل يديه كمن يكتشف أنه بشر للمرة الأولى. موجات لم يستطع تحليلها، ومشاعر لم يجد لها معادلة.
أما نور، ذلك الذي يراقب من بعيد في صمت ليس بارد بل ينتظر اللحظة الحاسمة، ينتظر تيارًا آخر يغير به مجرى كل شيء، ليس هو وفلك ونوح فقط، بل سيغير كل شيء حتى هذه المجرة.
كانت لحظات الاستعداد إلى المؤتمر من أصعب اللحظات التي مرت بها فلك، هناك انسجام بينها وبين نوح جعلها تضعف أكثر، وإن كان قد اخترق قلبه من قبل ولكن الآن اخترق روحها، صار داخلها، بنبض واحد وقلب واحد، تفهم ما يفكر بها ويعلم ما تقرر هي دون شرح، إندماج جعلها تعي بأن نوح لن يغادر قلبها بهذه البساطة بل ستبحث عنه بكل مكان حولها.
كان يشعر بحزنها من قرار رحيله وعودته إلى المعمل، يعلم مشاعرها جيدًا، هي تريده وتريد نور أيضًا، فهناك كيمياء بينهم من نوع مختلف، وتحولت من فتاة لم يدق قلبها بالحب أبدًا إلى حرب الاختيار بين اثنين، والأسوء أن قلبها عالق بينهما.
في صباح يوم المؤتمر، وقد دعت والدها مسعود للحضور، وقامت بنقل نوح إلى المعمل مرة أخرى وتجمع حولها كل الفريق ليشاهدو الإنجاز الذي قامت به في هذا الوقت القصير.
عبد الله بانبهار: برافو يا فلك، فكرة عبقرية، إنتي مش بس عملتي ربط للمشاعر لا، إنتي عملتي طفرة في عالم التكنولوجيا، أنا مش مصدق إن نوح فاهمك بالطريقة ديه، ولا قادر أتخيل إن لو الإنسان اللي معاه تعب هيحس بيه قبل ما هو يقول اه حتى! ده إنجاز.
كانت تتحرك فلك وعين نوح مثبتة عليها بكل مكان، هناك ارتباط قوي وهذا ما لاحظه الجميع، وفجأة نهض نوح ليمسك بشعرها ويرفعه برابط للشعر فنظرت له فلك وابتسمت فقالت أيسل: هو عمل كده ليه؟
فلك: عشان الجو حر، حس إني حرانة فرفع شعري.
إسلام: تحفة! المهم هتعرفي تظهري الرابط ده في المؤتمر؟
فلك: هحاول، متقلقش يا مستر هنعرف إن شاء الله، صح يا نوح؟
نوح: أكيد.
ذهبو جميعًا إلى صالة العرض الرئيسية بالشركة، تم وضع عدد كبير من الآليين في الخلفية ومن كل الفئات التي أنتجتها الشركة كعرض لها، قامت فلك بوضع نوح على قاعدة الشحن قبل بدأ المؤتمر وقبل أن تفعل الشحن قال نوح: خلاص، وصلنا للنهاية.
فلك بحزن: إنت اللي عايز تبعد عني.
نوح: نفسي تفهمي إني مش هقدر أشوفك مع حد تاني.
فلك: بدأت أشك إنك مش آلي يا نوح.
نوح: عشان بقيت جزء من روحك، بقيت حافظك وفاهمك، مش مضطرة تشرحي اللي مزعلك، هعرفه من قبل ما تقوليه، لو غلطت هصلح غلطي من غير حتى ما تعاتبيني، إنتي عندي أهم من الناس كلها، أهم مني أنا، معنديش حد في حياتي غيرك، هبقى ملكك وليكي لوحدك، إزاى عايزة حد تاني غيري عمره ما هيفهمك زيي، عمره ما هيحس بيكي وبمشاعرك وبوجعك، كنتي بتدوري على الحب ده ولما جالك فضلتي عليه واحد لسه مش عارفة أصلًا مشاعره الحقيقية إيه ناحيتك، لمجرد إنك بتدوري على الأحسن ليكي وبس وياريت من وجهة نظرك ده بس من وجهة نظر المجتمع.
فلك: طيب خليك معايا.
نوح: مفيش حد بياخد كل حاجة.
نظرت له في حزن وقامت بتفعيل الشحن ووقفت لتستعد لعمل العرض.
بعد وقت بدأ الصحفيين بالحضور وامتلئت القاعة بالكامل، فبعد عملية الإنقاذ التي فعلها نوح أصبحت الشركة تحت أضواء الإعلام.
صعدت فلك على المسرح ونظرت إلى نوح الجالس دون حراك.
نظرت فلك تبحث ضمن الحضور عن والدها وبالفعل وجدته يجلس بينهم فتنفست بهدوء وقالت: في البداية أحب أرحب بكل المدعويين، وأقولهم إنكم على موعد مع مفاجأة في عصر التكنولوجيا، في الأول كان حلمي أصنع روبوت مختلف، يقدر يقوم بدور البني أدم بس بتقنيات أعلى، وهنا ظهر جوهر الاختلاف، إحنا ممكن نصنع ده بسهولة ومع تقدم الذكاء الأصطناعي قدرنا نوصل لتقدم كبير، لكن اللي مقدرناش نعمله هو إن نخلي الروبوت ده يحس زينا، يقدر يميز المشاعر، يفهمها، يتصرف على أساسها وده طرح سؤال؛ "هيفرق فيه إيه ده يا فلك؟" وكانت الأجابة أقوى من السؤال نفسه، هيفرق لو فضل الروبوت ده مع حد من كبار السن، اللي بقى عايش لوحده من غير ونيس، لو تعب مين هيلحقه، لو مات مين هيبلغ جيرانه، هيفرق مع أطفال كتير مريضة بالتوحد وبترفض إن يقرب منها أي شخص غريب، وصعبوبة إن يفضل معاه حد طول الوقت، هيفرق مع واحد عايش في غربة، كل حبايبه بعيد عنه، هيبقى هو الفرد اللي موجود دايمًا جنبه ومش هيمشي، وجيه السؤال الأصعب؛ " نعملها إزاي؟" وهنا كانت المفاجأة.
تحركت فلك نحو الطاولة وأمسكت ورقة وقلم ورفعت الورقة أمام الجميع وقالت: الورقة فاضية زي ما حضراتكم شايفين.
ثم وضعت الورقة تحت الكاميرا لتظهر على الشاشة خلف نوح، قامت فلك بتفعيله ونظر إلى الحضور ثم قالت: أحب أعرفكم بنوح.
نوح: أهلًا.
قام الصحفيين بتصويره ثم وقفت فلك عند الطاولة وأمسكت القلم وقالت: نوح مش شايف طبعًا الشاشة اللي وراه فا أنا هكتب أي حاجة على الورقة دلوقتي.
كتبت على الورقة كلمة "تفاح" ثم نظرت إلى نوح وقالت: تقدر يا نوح تقولي أنا كتبت إيه من غير ما تبص على الشاشة؟
نوح: وهعرف ده إزاي؟!
فلك: صح، سؤال منطقي.
طوت فلك الورقة ثم أمسكت بجهاز الإتصال العصبي ووضعته على أذنها وثبتته جهة المخ وقالت: طيب دلوقتي يا نوح، أنا كتبت إيه؟!
نوح: تفاح.
همس الصحفيين لبعضهم ثم قالت فلك: ده جهاز متصل بالمخ، بيقدر يوصلني بنوح والعكس، قادر يفهم اللي في دماغي من غير ما أقوله.
نوح: فعلًا يا فلك إنتي مش بتحبي التفاح.
فلك: بس هو صحي.
نوح: حاول باباكي يخليكي تاكليه كتير، آخر مرة غصب عليكي وكان هيجيلك اختناق بسبب إنك حاولتي تبلعيه من غير مدغ.
فتح مسعود عينيه في صدمة فقالت فلك: أنا نسيت الموضوع ده يا نوح خالص.
نوح: موجود في الذاكرة عندك، أنا شايفها كويس.
فلك: طيب ممكن نكمل عرض.
نوح: هما صدقوكي، إنتي اللي عايزة تثبتي الموضوع أكتر.
فلك: بالظبط، عشان كده هديك ضهري وهقول كلمة بصوت منخفض وياريت صورتي تظهر قدام الكل عشان يشوفو الكلمة وإنت لا.
والتفتت فلك وتحدثت دون صوت، فقط صوت نوح هو المسموع ويقول ما تقوله فلك متزامنًا من حركة شفايفها، فأصبحت هي تحرك فمها ولكن مصدر الصوت هو نوح.
فقال نوح: شكرًا لحضوركم واتمنى يكون العرض وصل فكرة المشروع الجديد، اللي هيساهم في مساعدة كتير من الناس.
سأل أحد الصحفيين فلك فقال: وهل اتصال الروبوت بالمخ مش هيعرضه للخطر.
فاجابت فلك بذات الطريقة مصدرًا نوح الصوت: لا، مفيش أي ضرر لحد دلوقتي، بمجرد ما بتنزع الجهاز الروبوت بيتفصل نهائيًا عنك.
ثم نزعته فلك وقالت بصوتها: زي كده بالظبط.
ولم يتحدث نوح.
نال العرض إعجاب الحضور بالكامل والتفتت فلك إلى نوح وهي تبتسم ثم قالت له: شكرًا يا نوح.
نوح: كده مهمتي خلصت.
وفصل نفسه ذاتيًا، ذهب الجميع وظل مسعود وباقي أعضاء الفريق بالمكان، نظر مسعود إليها بنظرة مختلفة، نعم لقد حققت حلمها أخيرًا وأثبتت قدرتها الحقيقية،ليقف مسعود يشعر بالخجل من ذاته، كانت فلك تنظر إلى نوح في حزن فقد حانت لحظة الوداع، وفجأة قام نوح بتفعيل نفسه ذاتيًا مرة أخرى ووقف أمامها، نظرت له بحزن وقالت: مش هتيجي معايا؟
لم يتحدث فقط نظر إليها وزادت الإضاءة داخل عينيه ولاحظت تحرك الآليين من خلفه ليقفو واحد تلو الأخر ويتوجهو إلى البشر الموجودين بالمكان وقامو بتقييدهم رغم محاولتهم بالابتعاد عنهم لتفتح فلك عينيها في صدمة ثم نظرت إلى نوح وقالت: إيه اللي بيحصل؟
نوح: لقد اخترقت النظام واستطعت السيطرة عليهم جميعًا، إنتِ من أعطتني طريقة الاتصال وبالأخير قمتي برفضي لأجل بشري أحمق، عليكم جميعًا دفع الثمن.
فلك بغضب: نوح وقف اللي بتعمله ده، إنت اخترقت نظامهم إزاي؟!
نوح: بنفس تقنية الجهاز العصبي الذي قمنا بصناعته معًا، والآن عليكي دفع ثمن رفضك ليّ.
نظرت فلك إلى فريق العمل وسمعت أصوات تأوهاتهم آثر تقييديهم من الآليين فقالت بحزم: نوح، وقف اللي بتعمله ده دلوقتي حالًا.
لم ينصاع لأمرها فأمسكت بالجهاز العصبي ووضعته لتتصل بنوح وأوقفت ما يفعل على الفور فصاح فادي في غضب: إنتي عملتي إيه بالظبط يا فلك؟!
نظرت فلك إلى نوح في صدمة وقالت بتعجب: مش نوح، مش نوح اللي عمل كده، نوح معملش حاجة، صح يا نوح؟
نوح: اه، معملتش حاجة.
أخذت فلك تلفت حولها لترى من يتحكم به ليختبأ أحدهم خلف المسرح حتى لا تراه.
إسلام بغضب: كفاية تمثيل، إنتي اللي خلتيه يقول كده بعد ما حطيتي الجهاز ده، لكن نوح مبقاش آلي عادي، بقى خطر، إزاي يكسر أهم قاعدة وأول قاعدة في النظام إنه ميأذيش بني أدم؟
نوح: أنا فعلًا مأذتش حد.
فلك بغضب: فيه حد اتحكم فيه.
عبد الله: كفاية خرافات بقى، مفيش حد بيتحكم فيه غير الجهاز اللي إنتي عملاه ده، لا، نوح ده بقى خطر، لازم يتعدم فورًا.
وقفت فلك أمامه وقالت: لا طبعًا، يعني إيه تعدموه؟!
مراد: نوح ملك للشركة وأظن إن فيه خلل في النظام بتاعه ولازم يتعدم، تقدري تطبقي التقنية بتاعتك على آلي تاني، على الاقل محدش يقدر يخترقه زي ما إنتي بتقولي.
فلك بغضب: مش هسمحلكم تعدموه، حتى لو هو ملك لشركتك، نوح ده أقرب حد ليا ومش هخلي حد يلمسه ولا يأذيه.
مسعود: إيه الجنان ده يا فلك ده مجرد آلة.
لم تتمالك فلك غضبها أكثر فقالت: لا مش مجرد آلة، هو بيحس أكتر منكم، حبني أكتر منكم، مش هسيبكم تأذوه ولو عايزين تاخدوه مني اقتلوني قبلها.
عبد الله: يا بنتي افهمي، ده خطر عليكي وعلينا كلنا.
فلك: لا مش خطر، هو عمره ما أذى حد ولا هيأذي.
فادي: إذا كان اتحكم في كل دول وكان ممكن يعمل ثورة علينا، إحمدي ربنا إن ده محصلش قدام الصحفيين، كان زمان فضيحة الشركة في كل الجرايد وكان ممكن تتقفل بسبب مشروعك الفاشل.
فلك بغضب ولأول مرة ترد إهانتها فقالت: مسمحلكش تتكلم معايا بالإسلوب ده، مش عشان عندي طموح وحلم وحاجة بجري عشان أعملها، وإنت حاطط نفسك جوا النظريات التقليدية اللي خدتها في الكلية وخايف تطلع عن حدودها لمجرد إنك جبان، تقف وتهيني وتهين شغلي اللي عمر مخك ما كان هيعرف يعمله، كلكم عارفين إني أكفأ واحدة فيكو، وأنا مش غبية عشان معرفش أميز نظرة الغيرة والحقد اللي جوا عينيك، لكن لحد الإهانة ومش هسكت، وكلمتي مش هغيرها، نوح هيفضل معايا ومحدش هيلمسوه، ولو حد حاول ياخدو مني مش همضي عقد الجهاز ده للشركة وبعد الدعاية ديه شركات التكنولوجيا برا مصر قبل جوا هتيجي تتمنى تشتري الجهاز، والقرار قراركم.
مسعود: يا بنتي ممكن يبقى خطر عليكي.
نظرت له فلك بتعجب وقد فاض بها الكيل فقررت أن تفتح قلبها وتقول كل ما تشعر به فقالت: ومن إمتى بتخاف عليا؟! وليه جاي تخاف عليا دلوقتي؟! جاي تعمل كده بعد ما خلاص مبقتش مستنية منك أي حاجة، بعد ما نوح قدر يرمم الوجع والشروخ اللي جوا روحي، جي دلوقتي تخاف على بنتك اللي حملتها موت أمها وهي عيلة عندها ٥ سنين، متتعبيش نفسك يا بابا، ولو نوح هيأذيني، أنا موافقة أتأذي على إيده ولا إني أتأذي منكم، على الأقل هتأذي على أيد حد بيحبني وبحبه بجد مش بيمثل الحب عليا، أنا همشي وهاخد نوح معايا والقرار قرارك يا مراد بيه.
نظر لها جميعًا بدهشة، لقد تغيرت كثيرًا، أما مسعود فقد تحولت نظراته إلى الحزن على الفور.
تحركت فلك وتبعها نوح وذهبت إلى المنزل وعندما أغلقت الباب نظرت إلى نوح وقالت بتعجب: مين اللي اتحكم فيك؟! أنا حسيت بحاجة غريبة أول ما وصلت الجهاز.
اقترب منها نوح وتحدث بنبرة مختلفة فقال: بعد ما اخترتي تبقي مع آلي وتسيبي كل البشر عشانه، وبعد ما اخترتي الحب اللي جواكي حتى لو مرفوض قدام الناس كلها، وبعد ما ضحيتي حتى بحياة طبيعية مع أي حد زيك يقدر يديكي كل اللي إنتي عايزاه، أن الآوان تعرفي الحقيقة.
تحرك نوح نحو الباب تحت نظرات فلك المتعجبة ليفتحه ويظهر نور أمامها وقالا معًا بصوت واحد: أنا نوح.
هنا وتجمدت أوصالها آثر الصدمة لتنظر إليها ولا تستوعب ما يحدث
