![]() |
رواية تيار الحب الفصل الثاني عشر بقلم رباب حسين
الهدوء الذي تلا تلك الليلة لم يكن سلامًا… بل الهدوء الذي يسبق العاصفة.
منذ رحيل إيثر ونوارا وسيزيف، والهواء في كوكب الأرض صار أثقل، كأن الكون نفسه يترقب ما سيحدث بين الحب والعقاب.
في شقة ليور، كانت ملامحه تحمل شيئًا لم تره فلك من قبل، خليط من الحنين والقلق… وكأن عينيه تقرآن نبوءة يعرفها وحده.
أما في أعماق الفضاء، كانت المركبة الحربية تعبر الغلاف الجوي لكوكب لاروس في صمتٍ مطبق، تحمل في باطنها قرارًا سيغير مصير كوكبٍ بأكمله.
إيثر، الجالس أمام شاشة التحكم، لم يعد يرى في البشر سوى مرآة مشوهة لما ظنه حبًا.
قال ببرودٍ يخفي غليانًا داخليًا: من يؤمن بالحب لا يترك وطنه لأجله… فليور سيتعلم أن المشاعر لا تُنقذ الكواكب بل تدمرها.
بينما على الأرض، كانت فلك تشعر بشيء غريب… نبض مختلف في الهواء، وكأن التكنولوجيا التي ابتكرتها بدأت تتنفس.
صوت خافت يتردد في عقلها وينتشر على نطاق واسع يحمل جملة واحدة: الاتصال تم بنجاح. فقد أصبح النظام يتوسع بشكل ملحوظ وسط ضجة إعلامية بأن التكنولوجيا أصبحت تشعر.
لم تكن تدري أن الاختراع الذي حلمت أن يكون جسرًا بين العقول، قد صار الباب الذي سيفتح حربًا بين العوالم.
بعد مرور شهر على رحيل المركبة الملكية، كما ظن ليور وفلك، كانت فلك مشغولة بإطلاق مشروعها الجديد الذي تم استقباله بحفاوة سواء من المصريين أو العالم أجمع، أصبح الآلي المرتبط عصبيًا بالمستخدم في كل مكان، صديق الأطفال، راعي كبار السن، مسعف للمرضى، رفيق درب، ومنهم من اشتراه لأجل المتعة فقط، وبذلك أصبح المشروع ناجح مئة بالمئة.
بعد إنتهاء يوم العمل ذهبت فلك إلى منفذ البيع الذي يعمل به ليور، كان يقف أمامه فتاتان، تنظران له بإعجاب أما هو فقد كان يركز على عمله، حيث أنه حاول مسح التسلسل الرقمي لأحد المنتجات ولكن لم يستجب جهاز الكومبيرتر، قام ليور بمسحه بعينه ووضعه على الجهاز ثم نظر إليهما وقال: كده الحساب ١٥٠ جنيه.
دفعت فتاة منهما المبلغ والثانية كانت تنظر إليه بإعجاب، ثم خرجا تحت نظرات فلك التي تابعت ما يحدث عند الباب وسمعت الفتاة تقول: مش بقولك قمور أوي.
دخلت فلك لتقف أمام ليور الذي ابتسم فور رؤيتها وتبدلت ملامحه كليًا ونظراته فابتسمت فلك وقالت: مش واخد بالك إن البنت عمالة تعاكسك.
عقد ليور حاجبيه وقال: مخدتش بالي، مش شايفهم أصلًا.
فلك: ما ده اللي مسكتني، إنت مسحت البار كود بعينك يا ليور؟!
ليور: اه، الجهاز ساعات بيعلق، بضطر أعمل كده من غير ما حد ياخد باله.
فلك: إنت بجد مكانك مش هنا، نفسي أعرف ليه اختارت تشتغل في مكان زي ده.
أخفض ليور صوته وهمس لها: عشان كنت عايز أفهم الناس أكتر.
أخفضت فلك صوتها أيضًا وقالت بهمس: ودرستهم بما فيه الكفاية، وبعدين أنا معاك أهوه، أدرسهم عن طريقي.
ضحك ليور وقال: ما كده هحبهم كلهم.
فلك: لا، أنا بس.
ليور: يا حبيبتي متقلقيش، معنديش أوبشن تاني.
فلك: طيب أنا عندي فكرة، تعالى اشتغل معايا في الشركة، ده أكتر مجال إنت تقدر تشتغل فيه وتنتج فيه بجد.
ليور: عارف، بس هضطر أزور شهادة.
فلك: حبيبي إنت مش محتاج شهادة، إنت دماغك بس تقوم شركات زي ديه مش شركة واحدة.
ليور: هشوف وأرد عليكي.
فلك: طيب أنا هطلع البيت، قدامك كتير؟
ليور: يعني ساعة كمان.
فلك: طيب خلص براحتك وأنا هطلع أعمل عشا لينا.
أومأ لها ليور وذهبت فلك إلى منزلها، بعد وقت، سمعت فلك صوت طرق الباب فابتسمت وركضت مسرعة إلى الباب لتفتحه وعندما رأت ليور قالت: جيت بدري.
دخل ليور وقال: زي ما يكون صاحب الشغل كان مستني عرض الشغل بتاعك عشان يمشيني.
فلك بتعجب: ليه حصل إيه؟
ليور: واحدة دخلت واشترت حاجات وجات على الكاشير، حسبت الحاجة ومستني تديني الفلوس، لقيتها وقفت تتكلم معايا، قعدت تقولي أنا أول مرة أشوفك هنا، وإنت شغال من إمتى؟ أنا جاوبت عادي على كلامها، وبعد كده لقيتها بتقولي إنت فاضي بليل، طيب هتخلص الشيفت إمتى؟ وبرده جاوبت عادي فجأة لقيت عاصم بيزعق وعمال يقولي إنت مش محترم، أنا كنت فاكرك راجل محترم ووثقت فيك واتخانق معايا، أنا الأمير ليور يقولي يا جربوع؟!
فلك: إهدى بس يا سمر الأمير وفهمني، هو ليه أتعصب عليك مع إنها هي اللي بتحاول تتكلم معاك؟
ليور: عشان طلعت مراته، مش فاهم أنا الناس هنا بتعمل كده إزاي، واحدة متجوزة واقفة تطلب من واحد يخرج معاها، لا وفي المحل بتاع جوزها وفي الأخر طلعت أنا اللي مش محترم، طبعًا انا أتعصبت ومن كتر عصبيتي الكهربا خرجت من إيدي بوظت الجهاز، بص عاصم للمنظر واتخض وطردني من المحل.
فلك بصدمة: يعني حد خد باله من الكهربا اللي في إيدك؟!
ليور: لا مخدش باله، وبعدين أنا مش فاهم يعني أعرف منين إن هي بتعاكس، أنا كنت برد عادي جدًا خصوصًا إنها ست كبيرة يعني ولا ١٥٠ سنة.
فتحت فلك عينيها في صدمة وقالت: ١٥٠ سنة! ديه عايشة إزاي معلش؟!
ضحك ليور وقال: اه صح إنتو أعماركم غيرنا، نسيت معلش.
فلك: أعمارنا غيركم؟! ليه يا حبيبي هو إنت عندك كام سنة؟
ليور: ٧٥ سنة.
فلك بصدمة: ٧٥ إيه؟! ده إزاي يعني؟
ليور: حبيبتي السنة عندنا في الكوكب ٦ شهور، يعني بالنسبة للكوكبكم أنا عندي ٣٧ سنة، فهمتي؟
فلك: اااااه، طيب خضتني، المهم خلاص متضايقش نفسك، بس يعني إنت غلطت إنك رديت عليها.
ليور: معرفش إنها بتعاكس، خصوصًا إنها لابسة محبس جواز، أنا اللي حارق دمي إن أنا محدش كلمني كده قبل كده، أنا ملك زوناد.
فلك: خلاص يا حبيبي، ما هو محدش يعرف غيري برده، واللي ما يعرفك يجهلك، معلش سموك سامحه المرة ديه ويلا ناكل عشان أنا جعانة جدًا، ومتقلقش بكرة نروح سوا الشركة وتشتغل معايا، أصلًا الوظيفة ديه متليقش بالأمير ليور.
جلس ليور على طاولة الطعام وقال: معاكي حق، خلاص هشوف الشهادة هعملها إزاي ونروح بكرة.
وبالفعل، ذهب ليور باليوم التالي وقام بعمل مقابلة للعمل وتم قبوله على الفور، بدأ ليور في العمل مع فلك بمعملها وقام بتطوير بعض المشروعات، لفت ليور الأنظار إليه منذ اليوم الأول، هو شديد الذكاء، إتصاله بمواقع الإنترنت المتعددة وانفتاحه على برامج الذكاء الإصطناعي جعلته ملم بالمجال أجمع، وفي غضون شهر كان قد عدل كثيرًا في الآليين وأيضًا قام بإنشاء بعض البرامج التي انتشرت على نطاق واسع، مما جعل اسمه يردد في كل مكان في غضون شهر واحد من العمل.
في أحد الأيام، دخلت فلك المعمل لتجد ليور لايزال يعمل بالحاسوب فوقفت أمامه وقالت: مش يلا يا حبيبي كفاية كده؟
ليور: خمس دقايق بس ونروح.
جلست فلك أمامه وظلت تتأمله وهو يعمل بتركيز ثم قالت له: هو إحنا هنتجوز إمتى؟
نظر لها ليور في صدمة وقال: قولتي إيه؟!
ضحكت فلك وقالت: بقولك هنتجوز إمتى؟
ليور: مش إنتي قولتي عايزة وقت عشان تتأكدي من مشاعرك؟
فلك: لا أنا متأكدة من مشاعري، أنا بس كنت قلقانة شوية لكن دلوقتي خلاص اطمنت.
ليور: ماشي حبيبتي، بس إحنا لسه في فترة التعارف.
فلك: هو إنت عايز وقت عشان تعرفني أكتر من كده؟! ده إنت عرفت كل أسراري من وأنا طفلة، ده إنت كنت قاعد في مخي بالمعنى الحرفي.
ليور: لا مش قصدي كده، قصدي إن المعروف إننا بنقعد فترة قبل الخطوبة نتعرف على بعض، الفترة ديه مش بتبقى أقل من سنة، عشان رابط الزواج رابط مقدس ولازم يتم بعد اقتناع تام، لإنه رابط روحي ولا يمكن يتفك.
فلك بتعجب: ده عندكم الكلام ده؟
ليور: اه، إنتو معندكوش كده صحيح.
فلك: هو عندنا فترة خطوبة، لكن قبل الخطوبة ديه لا، عموما أعمل اللي إنت شايفه هيريحك عشان تبقى مطمن.
ليور: حبيبتي أنا مطمن وعارف أنا عايز إيه، بس هي زي ما تقولي كده تقاليد عندنا، بس إحنا مش عندنا، فا شوفي المفروض نعمل إيه ونعمله.
فلك: المهم إنك مش معترض على الفكرة صح؟
ليور: أعترض؟! ده أنا بحلم باليوم ده، اللي تبقي ليا فيه.
فلك بخجل: طيب هشوف بابا أقوله إنك هتروح تقابله.
ليور: تمام، بس ممكن قبل ما أروح أقابله نتعشا سوا بكرة بليل.
فلك: ماشي، بس هو كده كده جي بعد بكرة عندي، عشان كان اشترى الروبوت بتاعي عشان يساعده لإن إنت عارف رجليه تعباه، فا كان جاي عشان أشوفه.
ليور: يبقى نتعشا سوا بكرة وبعدين أقابله بعد بكرة.
فلك: هو العشا ده من التقاليد عندكم؟
اقترب منها ليور ونظر داخل عينيها وقال: لا، العشا ده عشان فيه حاجة عايز أقولها لحبيبتي، ممكن؟
ابتسمت فلك وقالت: مين ترفض طلب للعيون ديه طيب؟!
ليور: عيوني بس يعني؟!
فلك بخجل: لا، كله الصراحة.
ثم نهضت وهي تخبيء وجهها بخجل بعيدًا عن نظراته وقالت: ممكن نروح بقى؟
ابتسم ليور من خجلها وقال: ممكن يا مولاتي.
ركضت فلك من أمامه وقد إزدادت خجلًا وقالت: يوووه بقى.
كانت تركض أمامه وهو يشعر بالسعادة تطرق قلبه بقوة، وأخيرًا سوف يتحقق حلمه وتصبح له.
في اليوم التالي، وفي أثناء العمل تلقى قسم الشكاوى بعض الملاحظات عن الآلي الجديد، قام القسم بتحويل الشكاوى على معمل فلك التي نظرت لها بتعجب، هناك بعض التصرفات الغير مفهومة بالنسبة لها، قامت فلك بعرض الوضع على ليور وبعد أن فحصها قال: طيب بصي خليها نبقى نطلب الناس ديه تجيب الروبوس هنا ونشوف الخلل فين، ممكن الجهاز يكون فيه مشكلة أو فيه مشكلة في الربط بينه وبين الروبوت.
فلك: تمام، هكلم قسم الشكاوى وأخليهم يطلبو منهم يجو هنا الشركة أو نبعت عربية تاخد الروبوت ونشوفه هنا.
أومأ لها ليور ولاحظ التوتر على وجهها فقال: قلقانة ليه؟!
فلك: الصراحة مستغربة من الشكوى جدًا، تصرفات عجيبة.
ليور: متقلقيش حبيبتي أنا معاكي، كل مشكلة وليها حل، المهم حضرتك تروحي دلوقتي تلبسي أشيك فستان عندك وأنا بعد شوية هبعتلك لوكيشن تيجي عليه.
فلك: طيب قولي هنروح فين حتى؟
أمسك ليور وجنتيها بأصابعه وقال: خليها مفاجأة يا قلبي، يلا بقى.
فلك: حاضر.
ذهبت فلك إلى المنزل ولحق بها ليور وبعد وقت أرسل لها موقع فذهبت له على الفور، وجدته فوق هضبة المقطم، اقتربت منه بالسيارة ونزلت منها، كان يرتدي حلة رائعة، وقد أعد طاولة مزينة بالورود والشموع، وضع البلالين والزينة حول الطاولة ووقف يستقبلها وبيده وردة حمراء، فاقترب منها وأعطاها الوردة، ثم قبل يدها وجذبها خلفه لتجلس على الطاولة أمامه، نظرت له بسعادة وقالت: إشمعنة المقطم؟
ليور: هتعرفي كمان عشر دقايق.
فلك: بدأت أتحمس أكتر، بس على فكرة، شكلك حلو أوي في البدلة.
ليور: مشفتنيش في البدلة الخاصة بتاعتي، أحلى من ديه بمراحل.
فلك: طيب عايزة أشوفها.
ليور: صعبة بصراحة، هيتقبض عليا في ثواني.
فلك: لا بلاش، خلينا مستخبين أحسن.
تناولت فلك بعض الطعام تحت نظرات ليور التي أصابتها بالخجل. مر عشر دقائق، ثم نهض ليور واقترب منها ليمسك يدها، وقفت بجواره واقترب ليور من الحافة قليلًا ثم أشار إلى السماء وقال: شايفة النجوم اللي هناك ديه؟
نظرت فلك إليها تحاول أن تعرف ما الذي يشير إليه بالتحديد، قال ليور: لو عرفتي تربطي بينهم هتشوفي حاجة حلوة أوي.
فلك بتذمر طفولي: مش شايفة.
وقف ليور خلفها، ورفع يده لتخرج كهرباء قليلة من يده، لتربط النجوم في السماء بخطوط كهربائية، لتشكل على هيئة خاتم الخطبة، فتحت فلك عينيها في صدمة، فهمس بأذنها وقال: لازم أنا اللي أطلب منك الجواز، تتجوزيني يا ملكتي؟
إلتفتت فلك إليه ولمعت الدموع في عينيها وقالت: طبعًا موافقة.
ضمها ليور إليه وأغمض عينيه قليلًا، وكأنه يطمئن نفسه بأنه وجد ضالته حقًا، همست في أذنه قائلة: كنت فاكرة إنك متعرفش حاجة عن المفاجأت ديه!
ابتسم ليور وقال: أي حاجة تخلي حبيبتي مبسوطة وسعيدة هعملها من غير تردد، أهم حاجة عندي هي إنك تبقي مبسوطة ومرتاحة حتى لو على حساب نفسي.
شعر ليور وفلك بهزة أرضية خفيفة فابتعد عنها قليلًا وقال: تعالي جوا شوية.
نظرت فلك حولها بتعجب ثم سمعت أصوات غريبة فالتفتت خلفها لتجد بعض التيارات الكهربائية في السماء، فنظرت له بتعجب وقالت: ده إنت؟
عقد ليور حاجبيه وقال: لا.
ليتفاجأ ليور وفلك بظهور مركبة فضائية تخترق سماء القاهرة، نظرت فلك إليها بصدمة ثم نظرت إلى ليور وقالت: ديه تبع كوكبكم؟
أومأ ليور إليها بإيجاب وعيناه تركز على ما يحدث بالأعلى، كان يشعر بخطبٍ ما، فخروج إيثر من الكوكب دون جدال، وأيضًا عدم إعتراضه على بقاءه هنا قد آثار ريبته، ولكن لم يتوقع أبدًا أن يحضر مركبة حربية إلى الكوكب، لم يكن يعلم أن اللحظة التي انتظرها ليمنح قلبه، ستكون هي ذاتها اللحظة التي سيُنتزع فيها كل ما أحب... بنار الحرب.
تُرى، كيف سيواجه ليور هذه الحرب؟
