رواية عهد الدباغ الفصل الحادي عشر 11 بقلم سعاد محمد سلامه


 رواية عهد الدباغ الفصل الحادي عشر 

[بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات] 
•••••
بمطار القاهرة
تسير بتباهي تجر خلفها حقيبة متوسطة... صوت طرقعات حذائها تسبقها، دخلت الى إحد الغرف تبسمت قائلة بدلال: 
أنا رجعت مصر. 

تبسمت إحد الجالسات ونهضت قائلة: 
مصر نورت يا عهد، ها قوليلي جبتي الحاجات اللى قولت لك عليها قبل رحلة باريس. 

اومأت بإبتسامة قائلة: 
وماركات كمان، بس كله بحسابه طبعًا يا عزيزتي. 

ضحكت الأخرى قائلة بمرح: 
إنتِ تنفعي تاجر شنطة شاطر ووشك مكشوف. 

ضحكت عهد قائلة: 
انا الهدايا اللى بجيبها لأختي باخد منها تمنها. 

تنفست الأخرى بمرح قائلة: 
طب أختك جوزها مليونير إحنا غلابه. 

ضحكت قائلة بمرح: 
الله أكبر فى عنيكِ هتحسدي أختي، وبعدين كان حد غصب عليكِ تتجوزي وأهو حامل على أخرك، ومن بعد ما كنتِ مضيفة جوية تلفي العالم وتشتري أي شيء نفسك فيه، بقيتي مضيفة أرضية تتلقحي على زمايلك السابقين يشتروا ليك 

اتسعت ابتسامة الأخرى، لكن عينيها لم تضحكا، بل لمعتا بغيظٍ مرح وقالت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
لا يا شيخة… باين عليكِ رجعتي من باريس ولسانك سابقك بخطوتين.

اقتربت عهد منها بخطوات واثقة، ألقت بحقيبتها على المقعد، وجلست وهي تعقد ساقًا فوق الأخرى قائلة بمرح: 
ما هو ده الفرق بين اللي سافرت تشم الهوا، واللي رجعت تشم ريحة الحقد الطبقي. 

شهقت الأخرى بتصنع، وهي تلوح بيدها قائلة بمرح:
خلاص يا ستي، مش قصدي. بس إنتِ دايمًا كده… شايفة نفسك... نفسي تتهفي فى عقلك زيي كده وتتجوزي وأشمت فيكِ. 

ضحكت عهد  وإنحنت برأسها قليلًا، قائلة بعناد وثقه مرحه:
لا، أنا شايفة اللي قدامي كويس أوي… وعارفة أنا واقفة فين،مش فى دماغي جواز، منفعش فيه، إيه يغصبني اقيد حريتي... أنا كده زي العصفورة من بلد للتانية، شغل وفسح فى نفس الوقت، إيه يجبرني أحرم نفسي من راحة البال. 

ضحكت زميله أخرى سائلة:
ها  المهم… رجوعك ده هيطول ولا يومين وتسافري. 

رفعت عهد حاجبها، وأخرجت نظارتها الشمسية من حقيبتها، وضعتها على الطاولة بتمهل مقصود:
والله ما أعرف لسه أنا بقالي فترة مش باخد أجازات مقضياها بين السما والأرض قررت كده أخد راحة، أهلى وحشوني أقعد معاهم شوية... يلا هاتي حساب الحاجات بتاعتك خليني أمشي، حاسة بإرهاق وعاوزه أرجع البيت أخد شاور وأنام لحد ميعاد الرحلة الجايى 

ضحكت زميلاتها وتحدثت لها بمرح قائلة: 
إستغلاليه عالعموم تمن حاجاتي إيه. 

ضحكت عهد وهي تنهض وضعت حقيبتها على منضدة بالغرفة، فتحتها، إقتربت زميلتها لاحظت تلك الالعاب الموجودة بالحقيبة سألتها: 
إيه اللعب دي، إنتِ هتفتحي محل لعب أطفال ولا إيه. 

ضحكت عهد قائلة: 
لاء.. دي لأبن أختي. 

تفوهت زميلتها: 
يا بخته، إنتِ جبتي له محل اللعب ولا إيه... كده بقي هتاخدي تمن اللعب دي وفوقها عمولة محترمة. 

ضحكت عهد قائلة: 
للآسف الوحيد اللى مش باخد منه تمن الهدايا، هو ياسين.

ضحكت زميتلها وتنهدت بآسف: 
يا بخته، إبن مليونير، وكمان بيجي له لعب ببلاش مش زي عيالنا آخرهم دبدوب بينور، والصبارة الراقصة. 

ضحكت عهد وهو تنظر لها قائلة: 
كفايه حسد وحقد عالواد، خدي دي طلباتك أهي، ومكتوب على كل منتج تمنه، وعشان أنا حنونه، مش هاخد منك عمولة الجمرك. 

-عمولة الجمرك ايه، إنت مضيفه يعني مفيش جمرك، تمام يلا هدعي ليكِ يرزقك بمليونير زي أختك. 

ضحكت عهد قائلة: 
وفري الدعوة، أنا كده مبسوطة، يلا هسيبكم تكملوا شغلكم.. بلاش تعطيل لمصالح المسافرين... سلام. 

خرجت عهد تجر خلفها حقيبتها، بنفس الوقت صدح رنين هاتفها، وقفت للحظة حتى أخرجته من حقيبة يدها، ونظرت له تبسمت حين رأت هوية التى تتصل عليها، سُرعان ما ردت بمرح: 
إيه إنت ظابطة الإتصال ولا إيه،أنا يادوب أهو رايحة ناحية باب الخروج من المطار ، ساعة ونص بالكتير أكون عندك فى الشقة، حضري لي الأكل اللى طلبته، ويا سلام كمان لو تحضري لى حمام دافي كده، الجو برد جدًا.. ياماما. 

إبتسمت على رد والدتها الحانق: 
وماله، إنتِ تروحي تصعي فى بلاد باره مصر وتجي هنا مصر عاوزه الفيلبنية اللى باباكِ جابها لك تخدمك...عالعموم توصلي بالسلامة.

ضحكت عهد وهي تغلق الهاتف وعاودت وضعه بحقيبة يدها،وعادت تجر الحقيبه الأخري،لكن توقفت حين إصطتدمت حقيبتها فى حقيبة أخري توقفت..
فقط وجذبت حقيبتها لكن الآخر وقف يعتذر،ثم تأمل فيها،تذكرها مباشرة قائلًا:
إنتِ.

نظرت له رغم عدم إهتمامها ظنًا أنه قد يكون تقابل معها بأحد الرحلات...لكن هو تعمد الوقوف سائلًا:
إنتِ مش فاكرني.

لم تعطي أهمية قائلة: 
للآسف.. 

قاطعها وهو يُذكرها بذلك الموقف القديم مع خطيبها يوم فسخ خطوبتها. 

تذكرت قائلة: 
أه أفتكرت،أهلًا وسهلًا بحضرتك. 

تبسم وهو يمد يده لها قائلًا:. 
نديم الجنايني. 

تفوهت بذوق: 
أهلًا وسهلًا..عن إذن حضرتك العربيه بارة المطار ومش لازم أتأخر عليها.

لم تهتم بنظراته لها 
بالفعل تركته وذهبت هو الآخر أكمل طريقه ود معرفة إسمها..الذي نسيه..لكن بنفس اللحظة إنتبه الى إشارة أخيه الذي جاء لأستقباله. 
❈-❈-❈
بعد لحظات بالسيارة على الطريق 
تنهد نديم قائلًا: 
مقولتش ليه إن بابا تعبان من فترة. 

أجابه أخيه بتوضيح: 
فى البدايه كنت مفكر إنه أمر عرضي وبابا هيتحسن، بس للآسف الحالة بتزيد سوء واضح إن المرض تمكن منه، وطلبت منه يفضل قاعد معايا فى الغردقة إنت عارف إن شغلي هناك...بس هو رفض وعاوظ يقعد هنا فى القاهرة معرفش السبب،رغم إن قبل كده كان مستمتع هناك...وأنا تقريبًا خلصت كل أجازاتي،ومقدرش أنقل شغلي هنا...عشان كده فكرت إن يمكن إنت لما تنزل أجازة تقدر تقنعه يرجع يعيش معايا في الغردقة من تاني.

تفهم نديم ذلك قائلًا:
متقلقش أنا قاعد شهرين أجازة هحاول أقنعه،أو ممكن أعمل له تأشيرة سفر وأخده معايا.

أومأ أخيه له بتفهم...نظر نديم الى خارج السيارة لاحظ التغيير الملحوظ بالأماكن،كذالك بالطريق مر من أمام ذلك النادي الرياضي..لوهله تبسم وجائت الى خياله إحد مباريات المنافسة بينه وبين يارا...الذي علظ بالصدفة أنها إرتبط..تنهد بشعور غير مفهوم،لا ينكر وقتها شعر بغصة فى قلبه لكن كان لديه هدف آخر هو إثبات نفسه فى وظيفته الجديدة...فكر عقله بها 
ترا هل تزوجت؟.

زفر نفسه يلوم،ولماذا جاءت على باله الآن. .. 
والجواب... مجرد فضول. 

❈-❈-❈
ليلًا
بغرفة محي وإجلال
زفرت نفسها بقوة لاحظ محي ذلك، نظر لها سائلًا: 
مالك حاسس إنك مضايقة بقالك فترة. 

تنفست بقوة قائلة: 
فعلًا مضايقة بسبب يارا. 

نظر لها بإستفهام سائلًا: 
وإيه السبب بقى. 

جاوبته بضيق: 
يعني لما تتخطب مرتين والخطوبة تتفسخ ده مش شيء يضايق، غير كلام الناس يا محي…
كل واحد بقى يحط لسانه عليها، واللى يقول عين، واللى يقول سوء اختيار، واللى يلمّح إن فيها حاجة غلط...كمان خايفة تقفل قلبها…
وتزهق من فكرة الجواز كلها.

تنهد محي بعمق قائلًا: 
لاء متقلقيش يارا مش ضعيفة،وده نصيب،ويمكن نصيبها لسه مجاش،عالاقل لما الخطوبة تتفسخ أحسن ما تكمل وتدخل جوازة فاشلة،إنتِ شاغله بالك زيادة عن اللزوم.. المسألة كلها نصيب. 

تنهدت وأومأت رأسهل بفهم لكن تفوهت بأمنية: 
اللى السبب فى قلقي، إنها بتوافق عالعرسان مش بنضغط عليها ومفيش فترة قصيرة وتقول إنها مش مرتاحه وعاوزه تفسخ الخطوبة.. أوقات بيدخل فى دماغي شك أن ممكن يكون فى سبب بيخليها توافق وبعد كده تفسخ بدون سبب مقنع العريسين والله كانوا كويسين ومحترمين جدًا. 

ضمها محي يديه تحتويها قائلًا: 
زي ما قولتلك النصيب، وكفاية تقكير في الموضوع ده أنا شايف إنه مش مستاهل ضيقك ده كله، بلاش تكبري الموضوع وهو سهل النصيب بينادي صاحبه.. يبقي بلاش تفخمي الأمر زيادة، إنتِ مركزتيش كده لا مع محسن ولا فاروق، كمان مع أخرة صبرى كنان اللى عايش على قفا أخواته. 

تبسمت بغصة قلب قائلة: 
هو من صغره مش غاوي شغل المدابغ ولا الحاجات دي، حابب يبقى مُدرس فى الجامعة وأهو برضوا بيساعدهم وقت الحاجه. 

تنهد قائلًا: 
والله ده اللي مصبرني عليه.. رغم كان نفسي يبقى زيهم له إسم وسُمعة فى عالم رجال الأعمال زي أخواته.. حتى عشان فى المستقبل محدش ضامن عمره، أهو يبقى يعرف يدير نصيبه فى الميراث. 

بخضة قلب تلهفت إجلال تضم نفسها له اندست في حضنه كأنها تبحث عن أمانٍ فقدته فجأة.
مررت يدها فوق ظهره بحنان، وهمست بصوتٍ مبحوح:
اللي ربنا كاتبه له هيبقى خير… مش كل اللي ليهم اسم في التجارة مرتاحين، ومش كل اللي ماشيين في سكة العلم خسرانين.

ضمها إليه أكثر، وقال وهو ينظر في فراغٍ بعيد:
عارفة… يمكن أنا خوفي عليه أكبر من طموحي له.

رفعت رأسها قليلًا، حدّقت في ملامحه التي أثقلها القلق:
والخوف ده دليل حب، مش ضعف. سيبه يختار، وإحنا نفضل جنبه… ده أكبر ميراث ممكن نسيبه له.

أغمض عينيه للحظة، وكأن كلماتها كانت دعاءً خفيًا، ثم قال بنبرة أهدأ:
ربنا يقدم له الخير. 

ابتسمت بخفة، رغم الغصة التي لم تغادر صدرها، وبقيا هكذا… متعانقين، يحمل كلٌ منهما خوف الآخر. 
❈-❈-❈
بعد مرور يومين 
صباحً
ككل يوم منذ أكثر من ثلاث سنوات وهي تنظر من بين فراغ القطع الخشبية للنافذة
( من خلف الشيش) تتابعه بخفيه موجعة،عينيها تتعلقان به وهو يسير بسيارته فى شارع الغورية، لوهلة سئمت ملامحها وسكنت حسرة،حسرة من اعتاد الانتظار حتى بهت الأمل فى قلبها،بداخلها أنها تتعلق بطيف حِلم لن يتحقق... هو لا يراها، ولن يراها.. فأمثالها يبقون فى الظل شهودًا صامتين على أحلام غيرهم، يكتفون بالنظر من بعيد، ويُتقنون إخفاء الوجع خلف وجوهٍ اعتادت الانكسار دون ضجيج.

فاقت من هيامها على نداء... إنتبهت وأغلقت النافذة جيدًا، ثم ذهبت نحو المطبخ مكان النداء، قائلة: 
صباح الخير يا عمتي. 

ابتسمت لها قائلة: 
صباحك ورد يلا تعالي اقعدي نفطر سوا، عمك أبو صبري غار من بدري ومعاه صبري. 

ابتسمت وجلسن سويًا بأرضية المطبخ وأمامهن صنية طعام.. نظرت لها مُبتسمة تشعر بتردُد.. لكن تجرأت قائلة: 
هسألك سؤال يا عمتي. 

حثتها أم صبري على إسترسال حديثها بمودة قائلة: 
قولي يا قلب عمتك من جوة. 

ابتسمت قائلة بتردُد: 
هو إنت ليه بحس أنك مستقوية على جوزك كمان صبري إبنك. 

تركت الطعام وضحكت قائلة: 
بصي أنا اتربيت وسط ولدين أخواتي كان أبويا يقول عليا مسترجلة عنهم، وده كان غلط يمكن بسبب الطبيعة اللى عٓشت فيها، وده كان سبب أتأخرت على ما أتجوزت مكنش فى راجل من اللى إتقدمولي بيملى عيني، مش طمع والله، انا عِشت عالرضا بالرزق اللى ربنا بيبعته ليا وأقول طالما مستورة ومكسيه وعندي أربع حيطان يستروني ولقمة حتى لو حاف بس تسد جوعي بقول الحمد لله رضا، بس قوة ربنا حطها جوايا.. مش عاوزة راجل شديد زي أبويا، ولا عاوزة راجل ضعيف زي أخواتي، خير الأمور الوسط.. ولا عاوزة راجل
يكسرني باسم الرجولة،
ولا يفتكر إن صوته العالي هو الأمان.
عاوزة راجل أحس معاه إني ست… مش واقفة دايمًا في وضع الاستعداد.
راجل يطمني مش يختبر قوتي،
يسندني مش يستعرض إنه أقوى.

صمتت لحظة، ونظرت  أمامها كأنها تسترجع عمرها كله في نقطة واحدة، وكملت بصوت أهدأ:
يمكن اتعلمت أبقى قوية غصب عني،
بس ده ما يمنعش إني من جوايا كنت محتاجة حد يقول لي
"سيبيها عليا… إنتِ كفاية عندي" 

ابتسمت ابتسامة خفيفة، يشوبها الرضا أكتر من الوجع قائلة:
القوة نعمة…بس الأجمل منها إنك تلاقي اللي يخليك تستغني عنها شوية،من غير ما تخافي.

عمك أبو صبري كان آخر شخص افكر أتجوزه وفعلًا رفضته بس النصيب رجع وإتقدم لى وقتها امي قالت لى
"البنت لها زهوة لما بتنطفي مبترجعش تاني" 

نظرت لها بعدم فهم... لاحظت أم صبري ذلك فضحكت قائلة: 
كان قصدها ان فى فترة البنت تبقي لها سوق وممكن يتقدم لها عرسان كتير، وهوب فجأة ده ينتهي، وده اللي حصل معايا قد ما رفضت عرسان قد ما بقيت بنتظر عريس يتقدم لى زي صحباتي فى الحارة اللى معظمهم اتجوزا وخلفوا عيل وإتنين... وانا العمر بيجري.. رجع عمك أبو صبري اتقدم وقولت أهو ألحق اجيب لى عيل ولا إتنين.. خلفت صبري على تسع شهور باليوم... وزي ما أكون أتنكست بعده قطعت الخلف مع إني كنت لسه مش كبيرة والعادة الشهرية بتجيلي في ميعادها، دوخت عند الدكاترة، ومفيش فايدة، رضيت وقولت الحمد لله.. عارفه إنتِ إتولدتي على إيدي دخلتي قلبي زي ما أكون جبتك من بطني... قولت البت دي خسارة في أبوها وأمها، أتعلق قلبي بيكِ بس غصب عني مكنتش أقدر أخدك منهم،كنت عارفه ان الاتنين مش هيعمروا مع بعض، وحصل الطلاق.. أمك خدتك بس عِند فى أبوكِ،  حتى بعد جوازها سألت محامي وكنت هرفع قضية أطلب حضانتك.. بس المحامي قالي القانون مش هيحكم لى بحضانتك لأني متجوزه.. لازم أكون أرملة أو مطلقه.. والله فكرت أطلق جوزي، وقولت اتلم عليكِ إنت والواد صبري،بس جدتك أم أمك كانت حنينه وإنتِ فضلتي معاها لحد ما ربنا خد امانته من أربع سنين، وقولت هتتشحطط بين مرات أبوها وجوز أمها،لاء أنا أولى بيها،والله من يوم ما جيتي وعيشتي معايا وأنا قلبي فرحان،وبتمني تطلعي من هنا عروسة للى يصونك ويعوضك خير.

-إن شاء الله.
جملة قالتها بقلب موجوع،عمتها رغم قسوتها مع زوجها لكن العكس معها،لكن رغم ذلك هنالك شقوق في قلبها من قسوة عاشتها وهي بكنف جدتها لأمها تذكرت زوج والدتها الذي كان يأتي يستقوي على جدتها ويسلبها المال،وأكثر من مرة قام بضربها بعلم والدتها التي تخشي شماتة زوجها السابق..قسوة عاشتها،ومازال قلبها يتمني ان تجد قلب يشعر بضعفها، حُب سكن قلبها. لشخص لا يراها، كيف يراها وهي مُشعثه هكذا. 

نظرت لها عمتها تربت على كتفها بحنان قائلة: 
عارفة يا بِت إنتِ لو إهتميتي بنفسك هتبقي قمر، تحطي مكياج وشعرك ده تلميه وتتحجبي وشك هينور، مش هتبقي شبة الرجالة كده.. أنا لو مش عارفاكي بلبسك الصبياني وشعرك المنكوش القصير ده كنت قولت راجل. 

ضحكت بقوة قائلة: 
طالعه لك يا عمتى مش لسه من شويه بتقولى على نفسك مسترجلة.

تبسمت عمتها قائلة:
لاء إنت مش زيي وربنا هيبعتلك اللى يعوضك ويبقي سندك بحق مش مخدة الكنبة اللى أنا متجوزاه.

ضحكت بأمنية فى قلبها وأمل تتمنى لو يتحقق ويراها أصغر أبناء الدباغ،الذي يتنفس قلبها بأسمه"كنان". 
❈-❈-❈

بشقة والد عهد 
شغب عهد مع ياسين كالمعتاد..تبسمت فرح حين دلفت الى الغرفة وجدتهما الأثنين يقومان بلعق قطع الحلوى(المصاصة) 
يجلسان بإنسجام معًا يتبادلان تذوق الحلوى.. تفوهت بنزق قائلة: 
من شويه كنت أنا وماما سامعين خناقكم مع بعض دلوقتي بتتبادلوا المصاصات بمنظر مُقزز. 

أومأت عهد قائلة: 
بصراحة الطعمين زي بعض تقريبًا بس بتاعت الواد ياسين الطعم فيها شوية...هات أما أدوقها وخد من بتاعتي.

وافق ياسين على ذلك،تقززت فرح منهما  
وضحكت قائلة:
غريبة إنه بيرضي معاك وهو عينه فارغة ومش بيرضي يعطي لحد حاجه، حتى إنتِ كمان بتقرفي، بس أقول إيه أنتم الإتنين عاملين زي المولدين فوق روس بعض. 

بعد قليل جلست فرح تبتسم على صغيرها الذي إلتهي فى تلك الحقيبه يُخرج الالعاب.. 
نظرت لـ عهد بإمتنان ثم تنحنحت قائلة: 
إيه الالعاب دي كلها. 

نظرت عهد الى ياسين الذي يستمتع بتلك الالعاب قائلة: 
بصراحه بقى عندي هوس لما أكون ماشيه وأشوف محل ألعاب بدخل ومعرفش إزاي بلاقي نفسي إيدي بتتمد علي اللعب واللى بيعجبني بشتريه. 

ضحكت ميرفت التى دلفت للغرفه قائلة: 
الله يرحم أيام زمان لما كانت تشوف حد بيشتري ألعاب كانت تقول فاضي ومستكتر فلوسه إزاي يشتري لعب أطفال هتتكسر بسرعة... دلوقتي مضيعه نص مرتبها عاللعب. 

ضحكت فرح، بينما إغتاظت عهد قائلة: 
تمام أنا بقيت تافه خلاص كده مش عاوزه تقولى كده يا ماما.. بس فرحة الواد ياسين أحلى بسمة.  

تبسمت فرح وتنحنحت أكثر من مره مما جعل عهد تلاحظ فتحدثت مباشرةً:
قولى عندك إيه وبطلي نحنحة.

إبتلعت فرح ريقها قائلة بتبرير:
عيد ميلاد ياسين الرابع بعد بكره.

إبتسمت عهد قائلة:
ياااه أربع سنين مروا بسرعه أوي،أه بتفكريني يعني عشان أجيب له هدية عيد ميلاده متقلقيش اللعب دي مش محسوبة من هدية عيد الميلاد...هجيب له...

قاطعتها فرح بكسوف:
لاء يا عهد كفايه لعب وهدايا،أنا عاوزه حاجه تانيه. 

ضيقت عهد عينيها سائلة بإستفسار: 
وإيه الحاجه التانيه دي. 

نظرت فرح ناحية والدتها ثم الى عهد قائلة بتردد متأكدة من رفض عهد للاقتراح: 
يعني هنعمل حفلة صغيرة زي كل سنه في بيت الدباغ. 

فهمت عهد تبدلت ملامحها وكادت تتحدث لكن سبقتها فرح: 
كل سنه كنتِ بتبقي فى رحلة السنه دي إنتِ هنا، مش هقولك عشان خاطري، عشان خاطر ياسين بيبقي مبسوط معاكِ. 

نظرت لها عهد قائلة: 
فرح إنتِ عارفه أنا مش برتاح فى البيت ده، ولا برتاح فى وجود فاروق، ومن يوم ما إتعصب عليا وأنا مشوفتوش يعني من أكتر من تلات سنين، وسبق وقولت لك... 

قاطعتها فرح بإلحاح قائلة: 
قولتلك مش عشان خاطري وغلاوة ياسين عندك... أنا بنبسط لما بتبقي جانبي.. وده يوم عيد ميلاد ياسين.

كادت عهد أن ترفض وهي تعلم أنها غصبً ستتقابل مع فاروق وهي تبغض ذلك، لكن إلحاح فرح أرغمها على الموافقة على مضض، وهي تنبه نفسها بسهولة ستتجنب فاروق. 
❈-❈-❈-❈-❈
بعد مرور يومين
بالنادي الرياضي، صدفة عبثية…
أمام مُربع الإسكواش، تفاجأت يارا بذلك الذي لم تكن تتوقعه أبدًا... لوهلة
تجمدت خطواتها ، وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميها، بينما هو كان يقف هناك، يجفف العرق عن جبينه، يمسك بالمضرب بيد وعيونه إستقرت عليها بدهشة لم تقل عنها... 
ثوانٍ ثقيلة مرت… لم يتكلم أحد، لكن الذكريات سبقت الكلمات، واشتعل الهواء بينهما بأسئلة مؤجلة ونبض خان الصمت... 
ابتلعت يارا ريقها، حاولت أن تبدو ثابتة، لكن ارتجافة لمست قلبها.. 
بينما … فابتسامة صغيرة، غامضة، ارتسمت على شفتيه وكأن القدر قرر أن يلقي نرده في توقيت غير مناسب... 
خرج نديم من مربع الإسكواش وأقترب من يارا وتحدث بصوت متزن: 
يارا… مش معقول الصدفة... لسه بتلعبي إسكواش. 
رفعت رأسها أخيرًا، بعينين تحملان دهشة وأجابته ببرودٍ مصطنع:
واضح إن النادي بقى ضيق أوي، كمان إنت شكلك لسه مواظب على اللعب. 

تبسم نديم ولا يعلم لما تعمد النظر الى يديها، تفاجئ أنها خالية من أي خاتم، لكن ذلك ليس دليل على عدم إرتباطها، ربما لا تضع خواتم بسبب تأهبها للـ اللعب... ود معرفة ذلك لكن عقله يسأله لما تود معرفة ذلك... بينما نظرت له يارا بتعالي وغرور.. لكن قلبها كان يقول شيئًا آخر…
لكن يبدوا أن الصدف العبثية أحيانًا لا تأتي عبثًا، بل لتفتح أبوابًا أُغلِقت قبل أوانها.

❈-❈-❈
بمنزل الدباغ بشقة فرح 
لم تهتم بالتجهيزات وجلست مع ياسين تشاركه اللعب، تعمدت ذلك، حتى لا تُثير أي إنتقاد، هي هنا من أجل ياسين فقط والافضل أن تنزوي معه... 

بعد وقت 
أمسكت عهد  ذلك الصغير صاحب الأربع سنوات من ياقة كنزته قائلة: 
ولا... إنت بتغش فى اللعب، دي آخر مرة هلعب معاك... إنت عيل غِتت زي باباك بالظبط. 

ضحكت فرح التى دلفت عليهما ونظرت لهما بمرح قائلة: 
إنتِ جايه تساعديني فى تعليق زينة عيد الميلاد ولا تلعبي مع ياسين، كمان عاملة عقلك بعقله، إمتي هتكبري يا عهد. 

نظرت لها عهد بمرح قائلة: 
الواد إبنك غشاش على فكرة ومعندوش أدب ولا إحترام ده بينادي عليا بيقولى يا عهد من غير ألقاب كأني زميلته فى الروضة... مش مؤدب أكيد وراثة من باباه. 

ضحكت فرح قائلة: 
إنتِ أي حاجة سيئة تقولي زي باباه، يلا انا عارفه إن مفيش منك منفعة خدي ياسين وإنزلوا الجنينة كملوا لعب والشغالة هتساعدني فى تعليق الزينة. 

أومأت لها عهد بتوافق وهي تُشير للصغير قائلة! 
يلا يا غِتت قدامي عالجنينة أنا بتوه فى البيت ده. 

ضحكت فرح بينما تصلب الصغير ورفع يديه قائلًا بحروف متقطعة: 
شيلني وأنا أقولك فين الجنينة. 

نظرت له عهد بحِدة مرحة قائلة: 
أشيل مين، إنت بقيت راجل كبير خلاص. 

لم يتحرك الصغير وصمم على ذلك... ضحكت فرح، بينما إستسلمت عهد قائلة: 
ماشي هشيلك يا رِخم. 

إدعت عهد بعدما حملته قائلة: 
إنت تقيل أوي بيأكلوك إيه، أكيد طنط إجلال بتأكلك من طبيخها الدسم. 

ضحكت فرح، حين غادرت عهد وياسين. 

بعد لحظات  
وضعت عهد ياسين تنظر حولها قائلة: 
قولي هنلعب إيه بقي هنا فى الجو ده. 

توقف ياسين يُفكر بطفوله ثم تحدث قائلًا: 
الطبق الطاير هنا بلعب بيه مع عيال عمو محسن. 

ابتسمت له قائلة: 
تمام هات الطبق. 

بالفعل بعد لحظات كانا يلعبان بذلك الطبق الخفيف الذي يُلقيه ياسين وهي تذهب لتأتي، به، لكن وقت قليل وتركها ياسين يهرول ناحية تلك السيارة بلهفة طفل، تقابل مع فاروق الذي إنحنى وحمله وسمع حديثه عن لعب عهد معه، تبسم له وهو ينظر الى مكان وقوف عهد، ذهب نحوها مُرغمً بسبب إلحاح ياسين، توقف أمامها يُرحب بها بذوق... اومأت عهد بإبتسامة بسيطة.. تحدث ياسين عن مشاغبته لـ عهد التي تبتسم... 

ظلا واقفان لمجرد دقائق قليلة، لكن كانت صورة للمستقبل ترسمها تلك التى كانت تقف خلف زجاج نافذة بشقتها... تدمعت عينيها لوهلة لكن سرعان ما تبسمت تنفض ذلك الألم الذي يتسرب الى خلايا جسدها.. تعلم أن له نهاية واحدة... لكن جففت تلك الدموع  وتبسمت وهي تنظر نحو ثلاثتهم... 
من يراهم يُجزم أنهم عائلة صغيرة 
تتكون من ثلاث أفراد يجمع بينهم الحب.  

بينما الحقيقة كانت خلاف ذلك
فاروق لأول مره يراها مباشرةً منذ ذلك الإحتداد الذي حدث قبل سنوات... تعمد عدم النظر لوجهها تعامل معها بحيادية، وهي كذالك  حتى أنها إدعت السأم من الشمس وإنهاء اللعب... وتحججت بمساعدة فرح بتعليق الزينة وإبتعدت عن مجال فاروق... 
الذي لاحظ ذلك فى حديثها معه، كانت ترد بإختصار... وتعمدت عدم النظر له.. بينما هو رسم البرود، فالماضي إنتهي وحقيقة واحدة فقط.. هي شقيقة زوجته. 

مر الإحتفال بسلام، حاولت عهد أن تتعامل مع الجميع على أنها مجرد ضيفة... غادرت بمجرد إنتهاء الحفل.
❈-❈-❈
بعد مرور اسبوعين تقريبًا
كانت عهد بإحد الرحلات... كانت تقطن بأحد الفنادق... تقف خلف زجاج شُرفة الغرفة تنظر الى الخارج تتأمل تلك المدينة، قطع تأملها صوت رنين هاتفها.. تركت النظر من الشرفة وذهبت نحو مكان هاتفها، تبسمت حين رأت إسم فرح على الشاشة قامت بالرد بمرح: 
متصلة بدري أوي، في فرق توقيت بين هنا وبين مصر مش أقل من ساعتين... 

تصنمت يد عهد على الهاتف، حين قاطعت فرح حديثها قائلة مباشرةً: 
عهد أنا تعبانة أوي أوي... ومتأكدة إن أيامي فى الدنيا معدودة، أنا محتاجة ليكِ، ولو رجعتي مصر وكنت رحلت وصيتك ياسين إبني. 

صدمة اطارت او بالأصح شلت عقل عهد  وهي تتحدث بتعلثم غير مستوعبة: 
بتهزري، حتى لو بتهزري ميبقاش بالطريقة دي... فرح.. يعني إيه تعبانه... قولي إن ده مقلب منك. 

لكن الرد كان صادم أكثر حين سمعت عهد صوت يبدوا عبر مكبر صوت لنداء أحد الأطباء ، وبعدها إنقطاع الإتصال.. جعلها تشعر بإنهيار تام. 

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

رغم أنها سمعت نداء الطبيب من خلفها، إلا أن قدميها تصنمت في موضعهما
انتظرت… ترقبت… تعلقت بقشة أمل أخيرة... 
كانت تنتظر أن تسمع صوت فرح تضحك، تنفي، تقول إن كل ما قالته لم يكن سوى مزحة سخيفة في توقيت قاتل... 
لكن الحقيقة جاءت قاسية، جارحة، لا تعرف الرحمة.
نبرة فرح المتهدجة، المتألمة، كانت كفيلة بأن تهدم ما تبقى من صمودها:
عهد… أنا محتاجة وجودك جنبي… عمري ما احتاجت حد، بس دلوقتي محتاجة وجودك جنبي… بلاش تتأخري يا عهد.
سقط الهاتف من يدها، وكأن الكلمات كانت أثقل من أن تُحتمل... لحظات تشعر كأنها بكابوس وستيتقظ منه لو اغمضت عينيها وأعادت فتحهما، بالفعل فعلت ذلك عادت تفتح عينيها بتوسع تنظر حولها هي ليست غافية.. كذالك الهاتف  أمامها لولا وقع على فرش الأرضية لكان تحطم.. 
تحطم.. هي التي تحطمت بالحقيقة.. تود أن تخف حِدة ما تشعر به من تهتُك فى قلبها وإنهيار فى عقلها.. 
عقلها؟  .. أي عقل وهي تشعر بإنسحاب بكل خليه فى جسدها حتى أنها فقدت توازنها وجلست على الأرض، تشعر بإنسحاق روحها.. 
دقائق حتي حاولت إستجماع جزء صغير من وعيها.. جذبت هاتفها بيد مُرتعشة ثم قامت بإتصال يدها لم تستطع رفعها فتحت مُكبر الصوت بمجرد ما فتح الآخر الإتصال قبل أن تسمع رده تفوهت بنبرة أمر واجب التنفيذ: 
عاوزه أرجع مصر فورًا لو حالًا يبقى أفضل. 

تنهد الآخر قائلًا: 
ميعاد طيارة  رجوعنا بعد بكره بعد الضهر..

قاطعته بحدة وأمر: 
بقولك عاوزة ارجع مصر فورًا لو حالًا، شوفلي طريقة، حتى لو هرجع بطيارة خاصة. 

تسأل الآخر: 
خير  إيه السبب. 

تعصبت عليه بغضب قائلة: 
بقولك لازم ارجع مصر  فورًا هتساعدني ولا لاء. 

أجابها بتوتر: 
هتصل عالمطار فى طيارة راجعه مصر الفجر لو في مكان.. 

قاطعته: 
لو هقعد فى ارضية الطيارة، لازم أرجع مصر فورًا. 

اغلقت الهاتف ظلت جالسه قلبها يتألم بشدة... يديها ترتعشان، بلحظة حاولت التماسُك على هاتفها، وقامت بالإتصال على والدها الذي رد عليها نبرة الحزن كانت واضحة في صوته، سألته مباشرةً:
فرح يا بابا،الغُدة رجعت لها مش اتعالجت منها وكانت بقت كويسة.

نبرة والدها المُتأثرة كانت صدمة ثانية:
كنت متأكد أنها هتكلمك، هترجعي إمتي. 

-يعني إيه يا بابا، واضح إن التعب من فترو وإنا اللى مكنتش أعرف، ليه خبيتوا عليا.. حالتها إيه بالظبط. 

هكذا تحدثت وهي تختنق بالدموع، رد عليها والدها يحاول التماسُك: 
متغبيش يا عهد. 

قال ذلك وأغلق الهاتف، حتى لا يزيد من إنشطار قلبها، وقلبه هو الآخر.
...... ــــــــــــــــــــــــــ
ساعات مرت كأنها دهور، أمام أحد المشافي ترجلت عهد  من سيارة الأجر دلفت مباشرة الى المشفي  سألت بالإستعلامات عن  مكان غرفة فرح... اندفعت عهد عبر السلالم الى مكان الغرفة كالإعصار، أنفاسها متلاحقة، عيناها تبحثان عن وجه واحد فقط... 
لم ترا أحدًا، لم تسمع أحدًا، سوى صوت فرح الذي ما زال يرن في أذنيها 
حتى وصلت… خطوة واحدة كفيلة بتغيير كل شيء توقفت لحظات بالممر تلهث حين رأت والدها يخرج من الغرفة،سريعًا ركضت نحوه،توقفت أمامه تسأل بلهاث:
فرح يا بابا... عندها إيه... مش كانت خفت وبقت كويسه... هي موعودة بالمرض، ليه إشمعنا هي. 

تدمعت عين توفيق قائلًا: 
دي قدر ربنا يا عهد، إفتكاره رحمة. 

تفوهت عهد بإيمان: 
ونعم بالله يا بابا.. عندها إيه الغُدة برضوا. 
 
هز توفيق رأسه بنفي قائلًا. بألم فى قلبه ينهشه: 
لاء.. 
ورم فى الرحم.

سريعًا تحدثت:
تستئصل الرحم هي معاها ولد ربنا يبارك لها فيه..حتى لو جوزها مش هيقبل يبقي صحتها أهم... أنا هقنعها بكده، لازم تفكر فى صحتها وبس. 

تألم توفيق قائلًا:
كمان المرة دي ورم في تجويف البطن...والبنكرياس.

فقدت النطق من الصدمة دموعها فقط هي ما تتحدث،لا تشعر بخلايا جسدها..لحظات أو دقائق حتى فاقت كادت تصرخ لكن ضمها توفيق تبكي بهيستريا ..لحظات حتى هدأت، تحدثت بصوت مُحشرج: 
مين معاها جوة،ماما فين.

أجابها توفيق:
ماما فى الشقة مع ياسين.. فرح خايفه عليه يلقُط أي مرض من المستشفي.

تفهمت عهد قائلة:
وجوزها فين،ولا هو دايمًا مشغول وعنده مسؤوليات.

أجابها توفيق:
فاروق جوه مع فرح،وشبة ملازم للمستشفي.

تهكمت فرح ببعض السخرية قائلة:
شبة،لاء كتر خيره..أنا هدخل لها.

أومأ توفيق وهو يمسح بقايا دموع عهد قائلًا:
مش لازم تشوف دموعك... بلاش تبكي قدامها عشان حالتها متتأثرش. 

أومأت عهد أخذت نفسًا طويلًا حاولت إخفاء تأثرها، ثم ذهبت نحو باب الغرفة فتحته قبل أن تدخل تنفست مره أخرى تحاول الإستقواء، ثم دلفت نظرت مباشرةً نحو الفراش كان منظرًا موجع للغاية تصنمت عهد للحظات وهي تنظر الى تلك الأنابيب الموصولة بأيدي فرح، وموصولة بمحاليل مُعلقة.. بصعوبة تحدثت فى البداية تهمس باسمها ثم حاولت إجلاء صوتها: 
فرح... فرح. 

فتحت فرح عينيها سُرعان ما تبسمت رغم الألم التي شبة لا تشعر بالقليل منه بسبب المُسكنات... بصعوبة تبسمت عهد وذهبت نحوها كيف وصلت للفراش لا تعلم فقط إنحنت على فرح تضمها بقوة قائلة بتشجيع كاذب: 
شوية تعب صغيرين كده ترقدي فى المستشفى  وتتصلي عليا تقلقيني عليكِ.. أنا كنت فى إيطاليا كنت هجيب لك معايا نوع جبنة فاخر.. عرفاكِ  بتحبي أنواع كتير من الجبن.. يلا خفي بسرعة وأنا الرحلة الجاية هجيبهالك. 

تبسمت فرح بألم قائلة! 
مفيهاش المرة الجاية يا عهد، كويس إنك جيتي عشان أشوفك قبل ما أرحل. 

-مستحيل
قالتها عهد وهي تضمها بقوة قائلة: 
متقوليش كده، هي أول مرة تتعبي.. إن شاء الله هتقومي وتخفي وتفرحي بالواد الغتت ياسين، وتشوفيه عريس، مش عاوزاني أتجوز عشان  أخلف بنت وتجوزيها له، خلاص أنا أول عريس هيتقدم لى هوافق عليه وأتجوز وأخلف وإبنك الغتت مُجبر يحبها ويتجوزها.

غصبً رغم الألم تبسمت فرح قائلة:
دي هتبقي مهمتك بقي يا عهد،أنا تعبت من كُتر الألم.

ضمتها عهد بغضب قائلة:
انا جنبك،هاخد أجازة مش هسافر تاني حتى لو إترفدت...هتقاومي وتخفي زي كل مرة مش دايمًا بتقولى أنا بسبع أرواح.

تهكمت فرح بألم قائلة:
كدب يا عهد كنت بواسي نفسي،بس أنا معنديش غير روح واحدة،وخلاص كده تقريبًا وصلت للنهاية. 
❈-❈-❈
بعد مرور يومين 
بشقة والد رابيا كانت تجلس مع والدتها، بينما طفلتاها تمرحان حولهن، رغم تذمر والدتها من طفلتيها، لكن تتحمل هن غصبً، أنشغلن بالحديث معًا لم ينتبهن الى إحد الفتاتين التي خرجت من باب الشقة ولقدم السُلم إنزلقت وأطلقت صرخة قويه... نهضن الإثنتين نحوها، نظرت لها رابيا بهلع وهي تراها ساكنه أسفل درجات السلم،تعالت الأصوات فجأة.. خطوات مسرعة، صرخات قوية، ورابيا تُهرول نحوها تُنادى عليها بقلق عارم... 
التفت الجميع في لحظة واحدة،إنحنت رابيا عليها تحاول حملهل جسدها ترنح بين يديها، عيناها زائغتان، والهواء لم يعد يكفي رئتيها.
كذللك أحد  ذراعيها به  كدمة،ربما  منكسر، رأسها مائل بلا مقاومة، وجسدها الصغير أثقل من أن يُحتمل.
صرخت رابيا باسمها، مرة… ومرتين… وصوتها يتهشم مع كل حرف،
تهزها برفقٍ مذعور، كأنها تخشى أن تؤلمها أكثر، وكأنها تخشى في الوقت ذاته ألّا تشعر بها أصلًا،حدثتها برجاء:
 افتحي عيونك… عشان خاطري افتحيهم 

خرج الرجاء مبحوحًا، لا يشبه صوتها.
اقتربت والدة رانيا، جلست على الدرج، تضرب على صدرها وهي تصرخ باسم حفيدتها،إلتف بعض الجيران كدائرةٍ خانقة، كلمات مبعثرة، أحدهم يطلب الإسعاف، وآخر يردد الشهادة،
وصوت بكاء طفلتها الثاتيى اخترق المشهد كسكين... رفعت رابيا وجه الطفلة قليلًا، وضعت أذنها على صدرها الصغير،
تبحث عن أي إشارة… أي نبضة… أي حياة... لكن الصمت كان مرعبًا، أقةي من الصُراخ،يبدوا أن صدرها هو من بدأ يختنق، أنفاسها تتلاحق بلا نظام،
وعيناها الزائغتان ترفضان التصديق.. تفوهت بأمومة: 
 أنا هنا يا حبيبتي… أنا معاكي…
همست بها وكأنها تعاهدها،
لكن يديها كانتا ترتعشان، وقلبها ينهار مع كل ثانية تمر
بل شعرت بالخوف أكثر،
كأن الزمن توقف عند تلك الدرجة من السلم،
وكأن كل حياتها انكمشت في جسدٍ صغيرتها الساكن بين ذراعيها... حملتها ونهضت سريعًا تتوجه نحو تلك السيارة التي كان بها السائق ينتظرها... صعدت للسيارة بأمر للسائق الذي حين رأها تهرول نحوها ترجل من السيارة حدثته بأمر: 
إركب وإطلع بينا على مستشفي بسرعة. 

فتح لها باب السيارة، ثم توجه نحو المقود، بنفس الوقت كادت والدة رابيا أن تصعد للسيارة، منعتها رابيا بامر قائلة: 
خدي بالك من البنت التانيه هديها، وديها لعمتي البيت.

أومأت والدتها وهي تمسك بيد الطفلة الاخري..
بعد وقت قليل بأحد المشافي...
دلفت والدة رابيا اللى تلك الغرفة نظرت الى الفراش التي ترقد عليه الطفلة وجوارها رابيا،إقتربت بلهفه مصطنعة قائلة:
أنا وديت البنت التانية عند بيت عمتك،وقولت أجي أطمن علي دي... خير. 

تنهدت رابيا بألم قائلة:
الحمد لله قدر ولطف...واخدة عشر غرز فى جرح فى دماغها غير إيدها اليمن  فيها شرخ والدكتور جبسها.

تنهدت والدة رابيا بارتياح وجلست على مقعد قائلة بلا مبالاة:
الحمد لله،العيال وهي صغيره ياما بتوقع وبكره عضمها يلم،كمان الحمد لله الجرح مش فى وشها كان ممكن يسيب علامة ولا ندبة فى  فى راسها  أهو الشعر هيداريه.

نظرت لها رابيا بإندهاش من قسوة قلبها...لكن تحدثت بغضب:
علامة فى وشها،هو ده اللى فارق معاكِ،وألم البنت،غير لسه لما محسن يعرف،الله أعلم هيقولي إيه.

نظرت لها والدتها بلا مبالاة قائلة:
كفاية خوف من محسن،الموضوع قضاء وقدر،اعملى لنفسك شخصية قدامه،ضعفك ده،هو اللى مخليه مستقوي عليكٌ.

تنهدت رابيا بغضب قائلة:
محسن مش مستقوي عليا،بالعكس أنا اللى زمان غلطت لما قبلت أشاركك فى الفخ اللى حصل.

تعصبت والدتها قائلة:
كفاية تلومي عليا،لو مش الفخ ده كان زمانك زي أختك متجوزة شحات،لو واحدة غيرك كانت عرفت تلعب بمشاعر جوزها،ياما قولتلك إتعلمي من عمتك،ولا من سلفتك التانية.

تهكمت رابيا قائلة:
سلفتي التانيه أهي مريضة والله أعلم هتقوم من المرض،ولا لاء

توقفت رابيا عن الحديث وتوجهت نحو باب الغرفة وكادت تفتحه قائلة  بنبرة أمر: 
أنا بقول كتر خيرك عالزيارة،السواق بره هخليه..

قطعت رابيا الحديث حين تفاجئت بـ محسن أمامها..
تعلثمت قائلة:
محسن...عرفت منين.

نظر محسن نحو والدة رابيا وتحدث بحِدة:
عرفت من ماما،إتصلت عليا.

توترت والدة رابيا ونهضت قائلة:
صحتي ضعيفة وبلقط المرض بسرعة،الحمد لله إطمنت عالبنت هي اللى شقاوتها زيادة.

نظر لها محسن بسخط حتى إنصرفت..ثم نظر لـ رابيا المتوترة قائلًا:
آخر مره تروحي بالبنات عند مامتك،أنا مش همنعك دول أهلك،لكن بناتي لاء.

إرتبكت رابيا،تشعر برجفة فى قلبها وتملكتها الظنون،أيكون سمع حديثها مع والدتها.  
❈-❈-❈
بالمشفى... كانت عهد مُرافقة لـ فرح كعادتها تحاول تتحاشي فاروق، فى ظل وجود والدها.. لكن اليوم ذهب والدها لقضاء بعض الأمور، ولم يعود قبل مجئ فاروق، لكن لم تهتم به،…فيكفي ما تحمله صدرها من ثِقل، لا طاقة لها.. 
جلست عهد إلى جوار فرح، تُعدل الوسادة خلف رأسها بحرص مبالغ فيه، كأنها تهرب إلى التفاصيل الصغيرة كي لا تلتفت لوجوده... كانت فرح شاحبة أكثر من المعتاد، ابتسامتها واهنة، لكن عينيها ظلتا تلمعان بطمأنينة غريبة أقلقت عهد... 
دخل فاروق بخطوات هادئة.. توقف عند باب الغرفة لحظة، ثم تقدم صوته خرج منخفضًا: 
عاملة إيه دلوقتي يا فرح. 

أجابت فرح بهدوء: 
 الحمد لله… أحسن.

كذبة بيضاء، أدركها الثلاثة في آنٍ واحد.
عهد لم ترفع عينيها، اكتفت بأن شدت الغطاء على فرح وهمست: 
 لازم ترتاحي شوية، الدكتور قال كده.

نظر فاروق إلى عهد طويلًا، كأنه يريد أن يقول شيئًا، أن يعتذر أو يشرح، لكن الكلمات خانته. اقترب خطوة، ثم توقف، وعاد الصمت يخيم على الغرفة، صمت ثقيل يحمل خوفًا مكتومًا،لاحظت فرح قلق عهد الزائد
قطعت السكون بصوتها الخافت: 
 عهد… متقلقيش. كل حاجة بتيجي بميعادها.

التفتت إليها عهد فجأة، وفي عينيها ارتعاشة إنكار: 
متقوليش كده… ربنا هيشفيكِ. 

ابتسمت فرح ابتسامة صغيرة، بها وداع غير معلن، بينما شد فاروق قبضته دون وعي، إحساسٌ مبهم بالخطر تسلل إلى قلبه، كأنه يقف على حافة فقدٍ يعرفه… لكنه يرفض تصديقه.
جلسا متقابلين هو وعهد 
رغم هنالك مسافة قصيرة، لكنها كانت أثقل من جبل على صدرها.. 
عهد لم تنظر إليه في البداية
عيناها كانتا معلقتين بنقطة وهمية على الجدار،
كأنها تخشى إن التفتت… تنفجر به أمام فرح. 
فاروق حاول أن يتكلم،
لكن الكلمات خانته، فابتلعها قبل أن تخرج.
كان يعرف…
يعرف أن الصمت الذي تفرضه عهد ليس هدوءًا، بل حكمًا مؤجلًا.
رفعت عينيها أخيرًا... نظرتها لم تكن غاضبة،كانت أخطر من الغضب… كانت مُحمَّلة بخيبة لا تُغتفر.
لم تقل شيئًا،لكن ملامحها تحدثت نيابة عنها:
أنت كنت عارف... وأخفيت... وإنت السبب فى إن فرح تخبي عليا، أو بمعني أصح لقائتنا القليلة السبب وده كمان إنت السبب فيه.
 
ضم فاروق يديه معًا، ثم 
أنزلهما  وضعهمت على ساقيه، كمن يستعد للاعتراف.
كانه يرد عليها بصوت متكسر:
 كنت فاكر إني بحمي جوازنا وبحميها… وبحمي نفسي. 

ضحكت عهد ضحكة قصيرة بلا صوت،
ارتعشت شفتاها،
وكأن الضحك نفسه استحى من الخروج.
حمايتك قتلتها.
قالتها أخيرًا، بهدوء قاتل.
لا اتهام مباشر، لا صراخ…فقط حقيقة عارية.
انتفض جسده قليلًا،
كأنه شعر بنظراتها  أصابته في موضعٍ يعرفه جيدًا... أدار وجهه بعيدًا،
وعيناه لم تحتملان النظر في عينيها أكثر... يتذكر أن فرح  هي من كانت رافضة أن تعلم عهد… كانت تظن نفسها قوية…وستتعافي، لكن الجسد بالي.
 
قالها وكأنه يدافع عن نفسه، أو عن ذنبه.. 
عاد الصمت هذا الافضل... فالسكوت ليس دائمًا حماية يا فاروق… أحيانًا يكون خيانة. 
❈-❈-❈
بعد مرور أيام 
تغلب المرض على فرح توغل منها، لدرجة أصبحت تفوق إحتمالها... حتى المُسكنات مجرد وقت قليل، إيمانها بأن النهاية تقترب هو كان المواساة لها، تتحمل وليس على شفتيها سوا بسمة وكلمات حمد لله.. قنوعة كعادتها... 
نظرت نحو فاروق لم يهينها يومً، كان يعاملها باحترام، ربما لم تعثر عليه كاملًا كما أرادت، خِصاله كانت واضحة أمامها هو شخص عقلاني يزن كل شئ بالعقل، لا يشرك قلبه؟ لم يكُن جافيًا معها وتحمل فترات مرضها ولم يتذمر من ذلك، إهتمامه بها ليست كما كانت تبغي، لكن هو حاول إحتوائها بقدر كبير، ولقناعتها أن هذا يكفي قلبها الذي أُنهك ليس بائسًا، فهي دائمًا حتي بفترات مرضها مُحاطة بمن يتمنون لها الشفاء، لكن كِثر المحاولات أنزفت طاقتها، وها هي النهاية أوشكت، وسيجد جسدها الراحة. 

إزدادت حالتها سوءًا إمتلأت الغرفة بالأطباء... جدل بينهم وآسف مرسوم على وجههم، غيبوبة تامة وقد لا تعود، وبالفعل لم تعود، 
بالخارج من خلف ذلك الزجاج تقف عهد بين والديها ينظران للداخل، وجوارهم فاروق، وصدمة كل شيء سكن فى لحظة مثلما سكن جسد فرح... لكن ذهب عقل عهد،حين رأت أحد الأطباء يجذب الغطاء فوق وجه فرح... بنفس اللحظة صرخت ميرفت صرخة مكتومة مكلومة، ضمت توفيق، يبكيان معًا، بينما عهد رفض عقلها ذلك، سريعًا نحو باب الغرفة، فتحته ودخلت بإستهجان، توجهت نحو فرح كشفت وجهها بغضب قائلة  برفض: 
ليه بتغطوا وشها، هي مكنتش بتحب تغطي وشها كده ممكن تتخنق... 
نظر نحوها الأطباء بآسف وهو يُنكس رأسه.. مازال عقلها يرفض، تعصبت قائلة: 
إطلعوا بره، كلكم فشلتوا تعالجوها، هي هتخف، أنا هسافر أنا وهي وهتتعالج وتخف.. 
بنفس اللحظة دلف فاروق الى الغرفه تفوه بألم: 
عهد... 
نظرت نحوه ثم فاضت بغضب: 
كانت بتقولي ما تقلقيش عهد…إزاي، إنت السبب في اللى جرالها، إنت السبب ياريتك ما دخلت حياتها... أنا بكرهك ياريت كان إنت.

ظل صامتًا يتقبل ذلك، حتى أنها توجهت نحوه ورفعت يديها تضربه على صدره بنفس الوقت غادر الأطباء بعدما أنطلق الخبر كطلقة في الصدر.
صمت… ثم فراغ… ثم انهيار.
انهارت عهد، لم تصرخ، لم تعترض، فقط ذابت بين ذراعي فاروق، تبكي كطفلة فقدت ملاذها الوحيد... 
كان بكاؤها صامتًا في البداية، ثم تحول إلى نحيبٍ موجع، كأن روحها هي من تُشيّع. 
ما إن عادت  كلمات الطبيب، تتردد برأسها
حتى توقف الزمن داخل صدرها.
لم تفهمها في البداية…
ظلت تحدق في وجهه، تنتظر أن يُكمل، أن يتراجع، أن يقول إنها محاولة فاشلة للشرح.
لكن الصمت الذي أعقبها كان أبلغ من أي تفسير.
خطت عهد خطوة واحدة إلى الخلف،
ثم انهارت.
لم تستطيع أن  تصرخ، لم تعترض،
فقط سقطت الدموع بغزارة، كأنها كانت محبوسة تنتظر الإذن.
ارتعشت شفتاها، وانحنت كتفاها بثقل الفقد،كأن الجسد وحده لم يعد قادرًا على حمل الروح... 
في اللحظة التي كادت قدماها تخونانها،
كان فاروق هناك.
مدّ ذراعيه دون كلمة،
احتواها بصمتٍ رجولي يعرف أن الكلام أحيانًا إهانة للحزن.
أسند رأسها إلى صدره،
فانهار السد الأخير.
خرج البكاء دفعة واحدة، حارًا، موجعًا، بلا نظام... ضربت صدره بقبضتيها الصغيرتين، كأنها تلوم القدر من خلاله،
وتمتمت بصوتٍ مكسور:
أنا جيت متأخرة… كان لازم أكون معاها من بدري، كانت هتخف
شدّها إليه أكثر،
ترك لها المساحة لتنهار كما تشاء،
ويده على رأسها لا تهدئ… فقط تؤكد الوجود.

-مش ذنبك يا عهد…
قالها بصوتٍ منخفض، ثابت، لكن عينيه كانتا دامعتين.
اللي راح، راح بإيد ربنا.

هزّت رأسها نفيًا
وبكت أكثر، كأن الكلمات زادت الجرح اتساعًا.
أنفاسها كانت تتكسر على صدره،
والغرفة من حولهما تفرغت من كل شيء
إلا من صوت بكاء واحد
يحمل اسم فرح.
وبين ذراعي فاروق،
لم تكن عهد امرأة قوية كما يعرفونها،
كانت فقط إنسانة فقدت نصف روحها،
واحتاجت صدرًا يثبتهاحتى لا تسقط بالكامل... وهو معها، تركها تفعل ما تشاء حتى كادت تنهار أرضًا، بلا وعي منه جذبها له يتحمل ذلك بل يتحمل ألمان فى قلبه.. إنهيار عهد والأسوء رحيل فرح.. 
فرح الذي عاش معها بلا مشاعر واضحة لم يكُن ذلك هينًا عليه... كان ومازال يشعر بالذنب نحوها، رغم أنه لم يُعاملها بسوء، لم يحدث بينما سوا خلاف واحد، وكان بسبب عهد، وهي إستطاعت أن تسد تلك الفجوة وتعاملت مع كل منهما على حِدا، خمس سنوات مرت بينهما هادئة ليست باردة كما كان أحيانًا يظن... 

بُكاء عهد ورأسها على صدره أفتك بقلبه.. كاد يضمها لكن إستوعب أن ذلك مُحرم... بنفس الوقت  ابتعدت عهد 
رمقته بنظرة حادة،
أسكتته قبل أن يُكمل....إبتعدت ببطء،
خطواتها ثابتة على عكس ما بداخلها.
وقفت أمامه على بُعد خطوات
هذه المرة عينيها قريبة بما يكفي ليرى الانكسار في فيهما.
قالت بصوت خفيض، لكنه واضح تلومه مباشرةُ بمواجهه وإتهام:
 كان من حقي أعرف… من حقها تحارب وإحنا معاها… مش لوحدها.
صمتت للحظة،
ثم أضافت، وكأنها تسلمه ذنبًا لن يغتفر بسهولة:
 إنت سرقت منها  الحياة.

لم يستطع الرد.
لم يجد جملة تصلح في حضرة هذا الوجع... اكتفى بإغماض عينيه،
وكأن الاعتراف الصامت أقسى من أي دفاع.
استدارت عهد لتغادر،
وقبل أن تصل للباب، توقفت دون أن تلتفت له قائلة بكراهية حادة: 
إرتحت كده، أهو إحنا الإتنين هنعيش نتعذب بسببها. 

قالت ذلك ثم خرجت،
وتركت خلفها رجلًا
لم يخسر فرح فقط…
بل خسر نظرة الثقة في عيني عهد.
فرح لم تمت فجأة…
فرح انسحبت بهدوء،وكأنها لا تريد إزعاج أحد حتى برحيلها.
❈-❈-❈
باليوم التالي، بمنزل الدباغ كان
العزاء
وجوه شاحبة، كلمات تعزية محفوظة، وأعين تتهرب من النظر في عين عهد.
الكل حضر، إلا فرح.
وحده رحيلها كان سيد المكان.

قطع ذلك دلوف ياسين الى عزاء النساء، توجه مباشرة الى عهد وجلس على ساقيها، رفع يديه الصغيرة، يمسح دموعها ثم وضع رأسه على صدرها... يضمها بيديه الصغيرتان... نظرت له سالت دموعها لكن ضمته بقوة تشعر نحوه بمأساة. 
❈-❈-❈
بعد وقت.. 
بإحد غرف المنزل التي أصطحبت إجلال...عهد لها عاد ياسين للنوم  بين ذراعيها.
أنفاسه المنتظمة كانت تواسيها أكثر من ألف كلمة... احتضنته بقوة، كأنها تحتمي به من الفقد، أو تحاول أن تثبت لنفسها أن شيئًا ما ما زال حيًا داخلها... 
أغمضت عينيها، وهمست باسم فرح…
ثم تركت الدموع تنساب في صمت.
.... ــــــــــــــــــ
 إنتهي العزاء غاب الجميع عدا أصحاب البيت، ومعهم والدي فرح... لاحظ فاروق عدم وجود عهد... لكن
تسأل: 
فين ياسين. 

أجابته إجلال بأسي: 
مع عهد نام فى حضنها... خدتها وهي دلوقتي فى أوضتك القديمة قبل ما تتجوز. 
أومأ  برأسه. 

بعد  وقت لم يستطيع فاروق البقاء بشقته وحده... إتخذ القرار، نزل لأسفل توجه الى غرفته القديمة، طرق بخفوت لم يأتيه رد فتح الباب  ودخل الى الغرفة  …دخل بخطواتٍ مترددة، كأن الغرفة لم تعد تعرفه، أو كأن الذكريات تسبق أنفاسه فتختنق في صدره.
كان الضوء خافتًا، وستائر النافذة نصف مسدلة، وعلى السرير رآى… عهد، متكورة على جانبها، وياسين بين ذراعيها، رأسه الصغير مستقر على صدرها، وأنفاسه الهادئة تصعد وتهبط بانتظام يوجع القلب..
توقف  عند الباب، لم يتقدم مباشرةً المشهد كان أصعب من أن يُحتمل؛ امرأة تحتمي بطفل، وطفل لا يعلم أنه صار ملاذًا من حزن أكبر من عمره.! 
اقترب ببطء، حتى صار يسمع شهقات مكتومة تكاد تختفي بين أنفاسها.. رأى أثر الدموع على وجنتيها، وشفتيها تتحركان بلا صوت… اسم فرح ما زال عالقًا هناك.
همس، بالكاد يُسمع: 
عهد…
لم تُجب فقط شدت ياسين إليها أكثر، كأنها تخشى أن يُنتزع منها هو الآخر.

يشعر بألم قاسي في قلبه…
ألم لا يُحتمل، يضغط على صدره مع كل نفس يزفره... 
وقف يتأملها في صمت، لا يعلم إن كانت عهد غافية أم يقِظة، لكنها بدت بعيدة، كأن روحها سُحبت منها وتركت الجسد فقط... ذلك الفراش… كان يومًا ملاذه حين افتقد الأمل في الوصول، حين ضاقت به الطرق ولم يجد سوى هذه الغرفة ليختبئ فيها من خيباته... واليوم، صارت هي من تلجأ إليها، بينما هو يقف غريبًا. 


تعليقات