رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة وتسعة
إدانة الحق بصرية ألف عدو "
تكثر الأقاويل والسين والجيم....
هذا ما أعداده المرء مع كل حادث يرن صداه بين جدران الأحياء والبيوت، كل لحظة يتصدر سيناريو جديد للقصة وتبقى الحقيقة مخفية إلى أن يحين وقتها، هكذا كان الوضع بكلا الطرفين.
الثامنة والنصف مسلنا.
هدأت الأوضاع وسكنت القلوب بعد أن أطمئنوا على الحبيب الذي غاب وكأنه وجد ملاده في تعذيبهم، كانت ضحكاتهم تعلو في الغرفة بين الحين والآخر بعد أن تم نقله إلى إحدى الغرف العادية حينما تأكدوا من تحسن حالته الصحية.
كان "شهاب " يجلس فوق طرف الفراس على يساره وإلى يمينه والدته التي لزمت الكرسي المرافق له، نظر "شكري" إلى "مريم" مبتسما ثم قال بنبرة هادئة :
اكيد كنتي مفتقداني.
أتجهت أنظار الجميع نحو "مريم" التي ابتسمت له وقالت بنبرة هادئة:
كلنا كنا مفتقدينك يا "شكري" مش أنا بس، وأولنا "شهاب" ، كان نفسي تشوف خوفه عليك. مکانش "شهاب" جوزي اللي أعرفه بالعكس فلحظة بقى إنسان ثاني، والحمد لله إنك قو متلنا. بالسلامة دي أهم حاجة.
اتسعت بسمته ونظر إلى أخيه تلقائيا تيري في عيناه نظرة دفء وحتو لم يراهما يوما، وكأنه يؤكد له كلماتها، وبتلك اللحظة تعالت طرقات خفيفة فوق الباب تليها دخول "طلعت " أولا وخلفه "إقدام" و "جيجي"، نهض "شهاب" حينما رأهم واستقبل "طلعت" أولا الذي ضفه قائلا:
الخبر وصلنا فوزا ومقدرناش نستنى لحظة فقولنا نيجي نطمن عليه بنفسنا ونزوره.
ريت "شهاب " فوق ظهره برفق ثم أبتعد قليلا وقال بنبرة هادئة:
الحمد لله ما صدقنا إنه فاق وبدأ يتحسن.
اقترب "اقدام " بهدوء منه ميتسقا وضفه قائلا:
حمد لله على سلامته يا صاحبي
الله يسلمك يا حبيبي بجد مش عارف أشكرك ازاي.
ابتعد "إقدام" عنه قليلا ونظر في عيناه قليلا بلين وقال:
متشكر ليش على أي حاجة، أنت أخويا وأنا مش مستني أي حاجة من أخ لأخوه، المهم إله قام بالسلامة وأطمنا عليه.
ابتسم له "شهاب " بتقدير ثم نظر إلى "جيجي " التي وقفت خلف "إقدام" وقالت بنبرة مرحة:
ولك أخيرا ضحكت لك أنا قلت هاد الألمى ما بيضحك بنوب، بس هلا عرفت مين بيكون سببها، يعطيك العافية "شكري".
انهت حديثها وهي تنظر إلى "شكري" الذي منحها ابتسامة هادئة ثم قال:
الله يعافيكي، بس مين أنت؟.
التفت إليه أخيه ينظر له بهدوه ثم قال:
محاميتك، "جيجي الدالي".
رماه "شكري " نظرة يملؤها الاستنكار والشك وردد خلفه بقوله:
محاميتي ؟ ليه مش فاهم.
تملك الخوف من "نهى" التي اعتملت في جلستها وهي تنظر إلى ولدها الصغير الذي تعجب من تواجد محامية يقال أنها محاميته، نظرت بخوف إلى "شهاب " الذي أشار بكفه إليها كي تلتزم
الهدوء ثم اقترب من أخيه ونظر إليه نظرة ذات معنى ثم قال ينيرة عادلة:
هو ايه اللي ليه يا "شكري"؟ معقول بعد اللي حصلك دا ومش عايز يكون ليك محامية؟.
تنغض جبينه وامسك برأسه بعد أن شعر بالقليل من الألم فيها وقال:
دماغي مصدعة بطريقة غريبة، مش قادر أستحمل.
جلس "شهاب " أمامه فوق طرف الفراش دون أن تفارقه عيناه نظرته كانت هادئة ودافئة وكأنها تخبره أن لا أذي سيداله بعد ذلك، أخذ نفسا عميقا ثم قال بنبرة هادئة:
"شكري" أنت اتعرضت لحادثة كانت خطيرة لدرجة إنك كنت هتموت فأي لحظة، الأدلة كلها بتقول كدا والفيديوهات اللي مصوراك كمان سواء من كاميرا المراقبة اللي حاططها فالعربية أو
اقتربت "جيجي" من الفراش ووقفت على مقربة ملة وهي تقول بنيرة هادئة:
ليك "شكري" يلي صار إنو أنت اتعرضت لحادث مو هين بنوب، كانت راسك عم تنزف وكمان أنت أخدت طعنة بجانبك الأيسر وفقدت دم كتير كل الفيديوهات عم تقول هيك، ويلي ساوا هيك بيكون ابن عمك "إسلام"، ما بتعرف ليش صار هيك فالإجابة لهي الأسئلة يتكون عندك انت لهيك حاول تتذكر شو يلي صار بيناتكم لحتى يحاول هو يقتلك.
التزم "شكري" الصمت ولم تبدي ردا بعينه على حديثهم، كان متعجبا من يحدث حوله ويقال إليه ولذلك كان التزامه بالصمت أفضل من التحدث حاول أن يتذكر أيا شيء من هذا القبيل. ولكن كل ما كان يراه صورا ضبابية غير مرئية، تدخل "طلعت" في تلك اللحظة وهو يقول بنبرة هادئة
لازم تفتكر يا "شكري" بأي طريقة اللي حصل بينكم الموضوع كله واقف عندك أنت يا يتقول اللي حصل و بتجازی با بيخرج وكان اللي حصل ما كان وهيعتبروك بتفتري عليهم فحوار القتل. إنما قضية المخدرات مش هيقدر يخرج منها بكفالة، فعلشان كدا لازم تفتكر بأي طريقة كانت.
أغمض "شكري" عيناه وتنغض جبينه محاولا تذكر أيا شيء حدث قبل أيام، وترك الأعين تنظر إليه يترقب شديد في انتظار سماع ما سيقال، بدأت الأصوات ترن في أذنيه من جديد والصور الضبابية بدأت نضح أمامه وتعود ذاكرته من جديد....
كنت فالعربية...
أشار "طلعت" سريعا إلى مساعده الذي جلس فوق المقعد وفتح دفتره بسرعة فائقة وبدأ بتدوين ما يقال بتركيز نام، بينما اتجهت الأعين إلى "شكري" الذي أكمل حديثه وتأهيت حواسهم بالكامل إليه:
كنت خارج الف شوية بالعربية زي ما متعود وقت زهقي الجو كان هادي، قبلها بحوالي ساعتين "إسلام" طلب بقابلني استغربت وقتها لأنه مفيش أي تواصل بينا ودي هتكون أول مرة، وقتها قالي ان الموضوع مهم ومصلحة عايز يمشيها بس واقفة معاه على إن حد يساعده. وقتها وافقت أقابله بس مكنتش أعرف إنه ناوي يغدر بيا....
قبل اثنان وسبعون ساعة.
كان "شكري " يقود سيارته بعد أن خرج من المنزل حينما تملك المثل ملة، كانت الأجواء هادئة. يدندن بكلمات الموسيقى التي قام بتشغيلها مؤخرا حتى تسلي وقته إلى أن يصل إلى وجهته المنشودة، ولكن توقفت الموسيقى فجأة حينما ورده اتصالا هاتفيا من "إسلام"...
أخذ هاتفه وطالع الرقم متعجبا حينما رأى اسمه يزين شاشته ولذلك تردد قليلا قبل أن يتخذ قراره الأخير ويجيبه قائلا:
باريت ييجي من وراك خير لأني عارف إنك ميتتصلش بحد غير وأنت جايله بمصيبة.
أتاه جواب "اسلام" الذي لم تخلو نبرته يوما من الخبث والمكر قائلا:
عندي ليك طلعة هناكل من وراها الشهد هستناك فالمكان المعداد، متتأخرش
لم يمنحه فرصة لقول كلمة واحدة بعدها، أنهى المكالمة وكأنه لم يتصل وهذا جعل "شكري" يتعجب كثيرا ولكنه لم يملك شيئا إلا أن يخضع إليه، أتجه "شكري" بالفعل إلى وجهته المنشودة وصف السيارة في الخارج وترجل منها بهدوء وولج إلى الداخل...
كان المكان هادئا بشدة؛ لا إثر لأي شيء يدعو للحياة، كانت الرائحة غريبة وغير معلومة ولكنة تغاضى عن كل ذلك وأكمل ما جاء من أجله، وقف مكانه تفصلهما مسافة وجيزة وعيناه ثبتت فوقه، خرجت نبرته باردة كبرودة نظرته قائلا:
عايز ايه يا "اسلام"؟.
ابتسامة خبيثة رسمت بزاوية فمه بعد أن أسقط الفريسة في المصيدة، فتأرجح بمقعده بكل برود وقال بنبرة غير مبالية:
من الأول تسلم على ابن عمك ؟ معقولة موحشتكش، ولا يكونش أخوك محرضك علينا كالعادة.
ختم حديثه بنيرة يقطن فيها الشر وهو ينظر إليه كالمفترس الجائع الذي اشتهى للطعام، فابتسم "شكري" بزاوية قمه متهكما وكأنه لم يتأثر بكلماته وقال:
والله ياريت أخويا يحرضني عليكم أنتوا أصلا عيلة متتعاشرش
تجاهل "إسلام" كلماته وكأنه لم يتفوه بها قط لم استقام على قدميه وبدأ يقترب منه بخطى بطينة وهو يقول:
طب أسمع الكلمتين دول يمكن المصلحة دي ترجعنا حبايب ثاني أنت تساعدني وعلى إيدي هتشوف فلوس غمرك ما شوقتها فحياتك هتقبض بالأخضر.
وقف في مواجهته وهو ينظر إليه بأعين يملؤها الشر، فرماه "شكري " نظرة يسكنها الشك وقال مترقنا
هقيضها بالأخضر كمان، و يا ترى ايه الشغلانة الجامدة دي اللي هتقبضني بالأخضر علشان تخليك واقف فاتح صدرك أوي كدا قدامي.
ابتسم "إسلام" بعد أن وصل إلى مبتغاه وقال بنبرة هادئة :
صفقة مخدرات التعامل فيها هيبقى بالأخضر هنصدرها يره شكيتي وأنت هتساعدني بما إن اخوك ظابط فهنداري عليا لحد ما الموضوع يمشي ونصيبك فيها مش هيقل عن ٣٠ ألف دولار، ويكون فعلمك نصيبك فيها قابل للزيادة يعني لو خلصت أسرع ممكن توصل ١٠٠ ألف دولار للفرد. الواحد فينا، متقولي أزاي هقولك إن الناس اللي بتتعامل معاها دي مش أي كلام دول معاهم دولارات مش عارفين يودوها فين من كثرها والصنف اللي هيروحلهم مهواش قليل...
وبعدين أنا عرفت إنك بتفكر فالجواز وفي واحدة داخلة دماغك ومعششة ولو الموضوع دا مشي هتحتاج فلوس ياما علشان تجهز شقة بأثاثها، يعني من الآخر دي فرصة العمر يا "شكري". بتستغلها بتضمن حياة هادية ومرتاحة مفيهاش شفا ولا تعب بس فكر فيها صح وبشويش، ولو نفسك طلبت تجزب متتكسفش تقول: هديك جنة هتطيرك لبعيد لدرجة إنك لم تفوق هتكره اللحظة اللي فوقت فيها دورها حلو تكسب كثير
اليوم علم لم يمقته أخيه اليوم علم لم تندلع حربا طاحنة حين يجتمعا سويا، فكلاهما مثل النار والثلج لا يجتمعا معا مهما حدث، لم يستطع أن يمنع نفسه من الاشمئزاز، فهذا الحقير جاء ليطلب ملة المستحيل وهو مطالب بتنفيذه الآن مستغلا النقود للسيطرة عليه ...
طالعه من أعلى إلى أسفل باستحقار واضح لبعض الوقت، ثم ببساطة شديدة قدم رفضه بنبرة باردة كصقيع الثلج في فصل الشتاء
في ناس مبتتكسفش على دمها حتى لو كانت بتحش، وأنت واحد منهم يا "إسلام"، حقير وواطي و معندكش احساس أبدا، جايبتي بس علشان تقضى مصالحك الشخصية ومطالب مني أنفذ لا مخمنتش يا حبيبي أنا مستحيل استغل منصب أخويا لو إيه اللي حصل علشان أغطي على شغلك الـ دا مستحيل أخر أخويا لو انطبقت السما على الأرض مبعملهاش...
وحياتي الشخصية متدخلهاش فمصالحك الـ **** مهما حصل، إذا أنت تقبل تعيشها بالحرام فأنا لا وبخصوص جوازي أنت متدخلش لأنها حاجة متخصكش، مستحيل أقبل فلوس مصدرها حتى لو هعيش جهان ليل نهار الحرام مش سكتي وانت عارف دا كويس، أبويا كان عقيد قد الدنيا فالوقت اللى أبوك كان مغلول منه علشان كان عامل زي الشوكة فالزور والنهاردة أخويا ملازم او إيه اللي حصل مستحيل أبهدل أسمه فالأرض واستغل صلاحياته علشان أمشيلك شغلك يا واطي، روح شوف غيري.
أنهى حديثه بنبرة حاقدة وهو ينظر إليه باشمئزاز ألتفت كي يرحل ولكن في تلك اللحظة منعه "إسلام" الذي تمكن منة شره ونظر يحقد واضح في عيناه بعد أن خدعه في بداية الأمر واستغل طيبته الزائفة تجاهه، نظر "شكري" في عيناه بحدة بعد أن تبدل في لحظات قلة وظهر وجهه الآخر أمامه، شد "إسلام" من قبضته فوق ذراعه وقال بنبرة حاقدة:
أنا جيت معاك بالذوق والحب فالأول بس شكلك مش حابب غير سكة العنف وأنا ميحبش غير العنف خصوصا مع اللي يعاندني، أسمع أنا معنديش وقت فإني أجادلك كثير تتصرف وتساعدني وإلا صدقتي عندي استعداد أعمل معاك المستحيل ووقتها هقتلك بدم بارد وأخليك لا نافع حياة ولا جواز تنصرف بدل ما تشوف الويل علشانك قبل ما يكون عشاني معاك يومين بس وبعدها تتصل بيا تقولي إنك أتصرفت من غير ما أخوك ولا الحكومة تاخد بالها.
دفعه "شكري" بعنف بعيدا عنه وهو يرشقه بشر بعد أن ضغط الآخر على وتره الحساس وقال
بنيرة عدوانية:
إذا طلع معاك حاجة فمتأخرش، أنسى اني أعمل حاجة تأذي أخويا فشغله مهما حصل، كفاية اللي داقه قبل كدا مش مستعد تكون الضرية دي مني أنا مستحيل، أموت ومعملهاش.
يبقى أنت اللي حكمت على نفسك.
قالها ولم يمهله الفرصة بعدها وسدد إليه ضربة عنيفة في وجهه، تأوه "شكري" الذي عاد بجسده للخلف خطوتين وهو يضع كفه فوق موضع الضربة، أكمل "إسلام" سيل ضرياته العنيفة دون توقف حتى صد "شكري" ضربته الأخيرة وركله بعنف في معدته أسقطه أرضا...
فر "شكري" هاربا بعدها دون أن يتردد وهو ينظر خلفه بين الحين والآخر حتى وصل إلى سيارته، استقلها ورحل سريعا وهو يراه عبر المرأة الأمامية يلحق به بسيارته وكأنه أقسم على مطاردته حد الموت...
عودة إلى الوقت الحالي
نظر "طلعت" إلى "إقدام" الذي كان يستمع بإنصات تام لم يقال حتى يستطيع أن يصل إلى الحلقة الأخيرة في تلك القصة، بينما نظر "شهاب" يتمعن في وجه أخيه دون أن يتحدث، نظرته كانت تحمل خليطا غريبا من المشاعر لم يفهمه "شكري" حينها...
نظر في عيناه قليلا حتى قال بنبرة يسكنها اليأس:
متبصليش كدا یا "شهاب"، لأن لم تكون نظرتك منى مفهومة بفهم وقتها إن صدمتك تجاه الشخص مسيطرة عليك وكأنه طعنك غدر.
بس أنت مطعنتنيش يا "شكري". أنت اللي أطعنت، وبلحظة اختفيت من حياتي وكأن وجودك كان من عدمه، أتخيلت اني ممكن ألومك وأنت ضحيت بحياتك علشاني ؟ زي ما ضحيت علشاني قبل كدا وقعدت جنبي سنة كاملة كنت عيني اللي بشوف بيها، مستحيل إذا عملتها أبقى راجل مبيحسش ومعدوم المشاعر، انت انقذتني مرتين وأنا فالمقابل أديتك إيه؟
ها "شكري" رأسه يرفق وهو ينظر في عينان أخيه ثم قال:
مش عايز حاجة غير إنك تفضل فضهري، مهما قالوا الناس تديهم ضهرك وكأنك مسمعتش حاجة، محتاج تقدير يا خويا مش عايز ييجي يوم ألاقي كل اللي عملته راح هدر كأنه رماد من بقايا حريق.
تأمله "شهاب" قليلا دون أن يتحدث عيناه التي لمعت هي من قالت ما لم يستطع أن يقوله بقمه، فتحه ابتسامة حنونة ثم ضمه إلى دفء صدره وربت برفق فوق ظهره وقال بنيرة حنونة
إذا قالوا أخوك فيه عبر الدنيا وإنسان غير سوي فساعتها هسد وداني وأديلهم ضهري وهسيبهم يقولوا اللي يقولوه، طالما أنا عارفك يا خويا قمش مستنى كلمة من حد، أنا اللي مربيك وحافظ أكثر من نفسك عارف أمتى يتبقى صادق وأمتى بتبقى كداب، يتحرقوا كلهم مفيش عندي أغلى منك.
خفق قلبه من أضلعه بعد أن أسرته كلمات أخيه كما أعتاد ترقرق الدمع في عيناه حينما شعر بكلماته تلمس قلبه كنسمة الهواء الباردة التي تضرب صفحة الوجه دون سابق إنذار، ولذلك ابتسم وترك نفسه يحظى بهذا الدفء الذي افتقده في غمضة عين...
طيب، وبعدها إيه اللي حصل يعني اللي شوفناه فالفيديوهات بيقول إن نشب مطاردة بينكم ع الطريق الرادارات رصدت مخالفتين ورا بعض الفرق بينهم دقائق معدودة، ودى حاجة كانت غريبة ومربية فالوقت ذاته، يعني من بعد ما خرجتوا.
هكذا قال "طلعت" الذي كان ينظر إليه ويتابع باهتمام واضح، ابتعد "شهاب" عن أخيه دون أن يحيد عيناه بعيدا عنه، بينما أكمل "شكري" سرد ما حدث إليهم كما شاهدوه في الفيديوهات المصورة حتى انتهى به الأمر في هذا المخزن العفن...
صمت نام دام بعدها ولم يجرؤ أحدهم على التقوه بحرف واحد، ولكن لمة قلبا اشتغل وحرفت نيرانه روحه الدفع "شهاب " كالقذيفة وبشكل فاجئ الجميع وهو يقول بنبرة حادة:
الحقير الواطي، والله أقتله وما هتفق عليه لحظة .....
منعه "إقدام " سريعا وهو يقف أمامه كجدار منيع وهو يقول بنبرة سكنها الخوف:
لا الله يخليك بلاها.
عايزني أقعد أتفرج على الواطي دا وهو قاعد حاطط رجل على رجل ولا فارقك حاجة، لا محذرتش مش هخليه يتهنى لحظة واحدة فحياته أخويا كان هيموت بسببه وتقولي بلاها يا ...... "إقدام"
أنهى صراحه العنيف فيه وهو ينظر إليه بأعين حمراء كالدماء بعد أن فشل في السيطرة على نفسه، بينما التزم "إقدام " الهدوء أمامه وقال بنيرة أكثر هدوءا وحكمة:
لا يا أخي أنا مقولتش كدا، بس أنت هتعمل إيه ؟ هتضربه دوغري هتلاقي نفسك معتقل بتهمة التعدي على مواطن بدون سبب وبتتحبس عالفاضي فواحد حقير زي دا وليه يا رفيقي، أنحكم
بأعصابك شوية لأن دا اللي هيكون عايزك توصله، روق وينحلها إحنا على رواق.
استطاع " اقدام " بكل سهولة أن يسيطر على الموقف أن يسوء الوضع وتصبح كارثة كبرى لا يقدروا هم السيطرة عليها، خصيصًا إن أصبح "شهاب" طرفا فيها، اقترب "طلعت" منة ووقف في مواجهته وهو ينظر في عيناه بجرأة اكتسبها على مر السنوات وقال بنبرة جادة:
أسمع انا مقدر كويس مشاعرك تجاه أخوك وعارف إنك متقبلش الأذى يصيبه أبدا، بس أخذر ومتعملش أي تصرف يمكن يعرضك للمسائلة القانونية وبيتحول التحقيق، إحنا مش عايزين توصل المرحلة دي يا "شهاب" لو مهما حصل أمسك أعصابك علشان خاطر مراتك وابنك، فكر كويس أوي فالنقطة دي قبل ما تنهور لأنه ملهوش ذنب يدفع ضريبتك، أصحى وخليك واعي وعارف انت بتعمل إيه .... وطالما خدنا أقواله وأثبتنا الأدلة فيضمتلك إنه هيتحاكم فأسرع وقت بس يا ريت تكون واعي التصرفاتك بدل ما تتاخد فالرجلين ويتقدم بعدها.
أنهى حديثه معة والتفت إلى "إقدام" موجها حديثه إليه تلك المرة قائلا:
أسمعني يا "إقدام"، أول ما نتايج فحص الدم تطلع تجيبهولي فوزا وإفادة "شكري" تكون عندي النهاردة قبل بكرة وكمان نتايج الفحص الجنائي المتعلق بموقع الحادث كل حاجة تكون عندي النهاردة متنسوش ولا تفصيلة ما معني.
هر " إقدام" رأسه برفق وأكد على كلماته بقول المهذب:
أمرك يا حضرة النائب كل حاجة متعلقة بالقضية هتكون عندك النهاردة متاكلش هم أنا هحلها.
هز "طلعت" رأسه برضا ثم القى نظرة أخيرة إلى "شكري" وقال بنيرة هادئة:
حمد لله على سلامتك للمرة الثانية يا "شكري"، ومش عايزك تقلق حقك محفوظ أكيد طالما أنا موجود
منحه الآخر ابتسامة هادئة دون أن يتحدث، بينما القى "طلعت " نظرة أخيرة كذلك على "شهاب" ثم رحل دون أن يثبت يحرف، نظر إليه "إقدام " حين وقف أمامه وقال بثيرة هادئة :
منتحل النهاردة قبل فكرة متقلقش أرتاح أنت أهم حاجة وإذا حصل أي جديد مبلغك فورا.
هر "شهاب " راسه برفق ليرحل الآخر رفقة " جيجي " التي أطمئنت على "شكري" حتى تباشر عملها، لتعود الغرفة كما كانت قبل نصف ساعة، نظر "شهاب" إلى زوجته التي منحته ابتسامة حنونة ليسمع أخيه يقول في الوقت ذاته:
أنا بقول يا "مريم" تاخدي اخويا وتروحوا، شكله مش عاجبني وشكله مداقش طعم الراحة من زمان و كدا كدا أمي موجودة جنبي أهي مستحيل تسيبني دلوقتي من قبل ما تزغطني زي البطة البلدي.
وعلى الفور تلقى ضربة خفيفة على ذراعه كانت صاحبتها أنه التي نظرت إليه يلوم دون أن التحدث، بينما ابتسم "شهاب" ابتسامة هادئة خفيفة ثم نظر إلى زوجته التي مالت برأسها قليلا وكأنها تنتظر إجابته، أخرج زفيرة قصيرة ثم سحب سترته وارتداها قائلا بنبرة لا تقبل النقاش:
تمام ماشي طلبات الباشا الصغير أوامر نافذة هروح فعلا بس هر جعلك بليل مستحيل أخلي أمي نبات معاك لوحدها، هيات أنا معاك.
كدا ضمنت حراسة مشددة وتومة مرتاحة يا سيادة الملازم.
مازحه "شكري" بتلك الكلمات الخبيثة وهو ينظر إليه بمكره المعتاد فرماه الآخر بنظرة ساخرة بطرف عينه وقال بتهكم:
ايوه والله بدأنا ندي أوامر وتتشرط كمان، ماشي المزة دي بس هسمحلك تتمادي لأنك مريض يس بعدها كله بحساب.
قهفه "شكري" على كلماته بعد أن استطاع إثارة غيظه ثم نظر إليه دون أن تتغير نظرته إليه وقال:
يا حلو أمسك أعصابك سوية، مراتك حامل وأي طاقة سلبية حواليها هتأثر عليها مش عايزين الوافد الجديد يكون مكثر وعصبي، يعني اذا طلع شبه أمه ساعتها بس ممكن أكثيره وأسمحلكم بالزيارات على حسب ما كيفي يجيبني.
لا والله ؟ مش ملاحظ إنك تماديت حبتين ثلاثة وشكلي هديك علقة تكسير شاملة أنحاء جسمك.
فهقه "شكري" على كلمات أخيه التي حملت في باطنها الشر والوعيد، بينما تدخلت "نهى" في تلك اللحظة بقولها المتوعد:
لحد هذا وستوب وريني هتقرب منه خطوة أزاي يا "شهاب".
أمسك "شهاب" كف زوجته وهو ينظر إليها مبتسما بزاوية فمه ثم قال بنبرة ساخرة:
دلوقتي "شهاب" بقى كخه؟ مسيره يقوم وساعتها وريني الحنية والحب دول.
أخذ زوجته ورحل بعد أن ودعهم، تاركا والدته تجاور أخيه الذي قهقه على كلماته السابقة وقد غمرته الفرحة في تلك اللحظة بعد أن رأى غيرة أخيه تظهر في نظرته ونبرة صوته، أراح رأسه فوق الوسادة ميتسفا دون أن يتحدث، فقط تأمل سقف الغرفة وشرد بذهنه بعيدا عن هذا العالم الموحش
ضرب الحبيب مثل أكل الزبيب "
في محيط منزل عائلة "يوحنا ...
خرجت "برلين" من محيط المنزل وهي تحمل الصغير على ذراعها، كانت لبتسم وتسير بخفة الفراشة وبنفس اللحظة تنظر إليه بأعين ترسل قلوبا صغيرة حمراء اتجهت إلى سيارة زوجها وجلست فوق المقعد الخلفي لها ووضعته إلى جوارها ...
نظرت له "برلين" بحماس وكأنها أفتنت لعبة جديدة، دست يدها في حقيبة كتفها ثم أخرجتها ومدتها نحوه وهي تقول بنيرة حنونة وأعين لامعة:
لحد البنبداية دي مني، أكيد أنت يتحب البنيني.
رفع "جرجس" عيناه ونظر إليها قليلا دون أن يتحدث، وكأنه يكتشف فيها شيئا لم يراه من قبل. ولكنه أخذها منها والعبرات تلمع في عيناه بهدوء لم يكن طبعا له يوما، تأثرت هي كثيرا بنظرته الحزينة تلك فمدت كلها وداعيت يحتو خصلاته الناعمة قائلة:
مالك يا "جرجس"، زعلان ليه كدا يا حبيبي وساكت.
هز راسه برفق دون أن ينظر لها وقال بنبرته الطفولية المهزوزة:
أنا مش زعلان
اعتدلت في جلستها ونظرت إليه بتمعن لم قالت بنيرة هادئة مبتسمة الوجه:
لا زعلان وعيونك الحلوين دول بيقولوا إنك زعلان، قولي بقى إيه اللي مزعلك، أعتبرني صاحبتك اللي معاك دائما فالحضانة وقولي.
رفع عيناه ونظر في وجهها المشرق قليلا قبل أن ينتفض حبيته ويردد خلفها مستنكرا:
صاحبتي اللي معايا فالحضانة أراي يعني ؟ أنت كبيرة أوي على إنك تكوني فحضانة.
قهقهت "برلين" بخفة حينما سمعت تلك الكلمات ثقال إليها بهذه النبرة الطفولية البريئة، نظرت في عيناه بحنو ومدت كفها الناعم لتداعب أناملها الرفيعة بشرته الدافئة برفق وقالت بنيرة هادئة
وايه يعني، اعتبرني فحضانة، أو أعتبرني واحدة عجبتك كذا أكيد يعني في بنات بيعجبك شكلهم.
ابتسم "جرجس" ولمعت عيناه في لحظة وكأنها الفت سحرها عليه، فاندفع بقوله الحماسي:
على فكرة أنت أحلى واحدة شوفتها لحد دلوقتي، يعني أنا شوفت بنات كتير أوي وأشكالهم. مختلفة، بس أنت أحلاهم، هو خالو عرفك أزاي وأزاي حبك واتجوزتوا، أحكيلي علشان هو علطول بيهرب مني.
ضحكت هي على هذا الاندفاع الذي ظهر في أفعاله الطفولية، ولم يستوعب عقلها كيف نهض وارتمى بأحضاتها يلف ذراعيه الصغيرين حول عنقها ينتظر سماع القصة بحماس طفولي غريب. تملكها شعورا غريبا في تلك اللحظة، وكأن العالم بأكمله أصبح بين ذراعيها ساكنا في حضرتها ..
خفق قلبها بعنف ولم تستطع أن تمنع نفسها من أن تضمه وتغمره بحنانها، لثمت وجنته الصغيرة برفق ثم قالت بنبرة غمرتها الدف:
أنا وخالك عرفنا بعض بالصدقة، أنا عندي محل ورد حلو أوي أينعم هو صغنون كدا بس في كل الورد اللي منتخيلهوش، وهو يومها چه علشان يشتري ورد من هنا بدأت قصتنا، بقى ييجي من الوقت للثاني وهو بيتحججلي بالورد بس يكون فمعلومك يعنى خالك مش سهل وماكر سهل يخدع اللي قدامه وأنا أتخدعت، پس دا ميمنعش إنه كان واقع يعني حتى قدملي وردة حمرا وكان ساعتها باين عليه إنه بيحبني وبعدها قالي...
وأكيد فرحتي ساعتها، خالو قالي إله أول ما اعترفلك بخبه كنتي مبسوطة أوي صح ؟.
ابتسمت إليه "برلين" ومسحت برفق فوق خصلاته وأكدت على حديثه بهزة صغيرة من رأسها ثم قالت:
دي حقيقة، أنا كنت مبسوطة أوي وهو جه بعد ما خف من الحادثة وقعد مع ماما وبابا وهما وافقوا علطول علشان شافوه إنسان كويس وهيعرف يحافظ على قلبي وميزعلنيش.
نظر إليها "جرجس " نظرة ذات معنى ثم قال بنيرة متسائلة:
وهو فعلا مزعلكيش لحد دلوقتي أو جرحك يعني نفذ وعده وكلامه بجد وبالسهولة دي ؟
هزت رأسها برفق مبتسمة الوجه وقالت بنبرة هادئة:
أيوه نفذ وعوده ومزعلتيش خالص بالعكس هو بيحاول يصلح اللي غيره كسره ودي حاجة حلوة أوي يا "جرجس" خصوصا لو كنت مكسور قبل كدا وصعب حاجة ترجع زي الأول مهما حصل بس اللي بيحب بجد بيكون مستعد يعمل أي حاجة علشان اللي بيحبه مهما كانت ايه هي، و "مينا" عمل كدا ولسه بيعمل وبيحاول على قد ما يقدر مفيش حاجة سهلة يا "جرجس" اللي بيوعد لازم يكون قد وعده وينفذه بالفعل مش بالكلام
نظر إليها الصغير يتمعن دون أن يتحدث، فقط اترك عيناه تتأملها من جديد وكأنه براها لأول مرة. منحها ابتسامة جميلة لمزته الأولى ثم لتم وجنتها بحنو وضمها بحث طفولي صادق دون أن يتحدث، تاركا إياها مصدومة ومتدهنة من هذا الرد الغير متوقع، ولكنها تخطت صدمتها ومنحته عناها داخلا يمنحه حبها وحنانها الذي لا ينتهي...
داخل منزل " يوحنا".
كانت الأجواء مشتعلة كاللهب: صرح "يوحنا" في وجه ابن أخيه يقوله العدواني:
على جنتي اللي بتقوله دا يحصل ميراث إيه اللي بتتكلم فيه دا.
هر "مينا" رأسه برفق وقال بنيرة باردة استفزت الآخر:
والله دي مش مشكلتي دا حقي وحق أخواتي البنات ولينا فيه بما إن الراجل ميت، يعني إذا انت رفضت يبقى بشوقك، ساعتها هاخد طريق مش هيعجبك.
ترك "ديفيد" وصمته حينما تدخل يقوله الهادئ:
كدا أو كدا "مينا" واخواته مباخدوا حقهم وأنت عارف كدا كويس، فالمماطلة مش هتجيب معانا سكة فياريت ننجز ونخلص بدري بدري وبلاها مشاهدة عالقاضي.
رمق " يوحنا" ابن اخيه نظرة حاقدة وكانه يفترسه بنظراته وتمتم بنيرة يقطن فيها الحقد
أنا بكرهك يا "مينا".
منحه "مينا" ابتسامة مستقرة وقال بنيرة باردة:
مشر أكثر مني يا عمي والله.
تجاهله " يوحنا" الذي طالعه باشمئزاز ثم نظر إلى أبنه البكري الذي كان يشاهد بصمت وكأن الأمر يروق إليه، اقترب منه ووقف في مواجهته يطالعه بنظرة يغمرها القسوة ثم قال بنبرة حادة
واقف تتفرج على أبوك وشايف البغل ما بيهدده قدام اللي يسوى واللی میسواش بقی دارد.
الجميل يا "بيشوي " ........
أبتسم له "بيشوي " الذي لم يتحرك خطوة أو يتأثر بما قاله ورد عليه بنبرة هادئة :
اه دارد الجميل يا حج، إذا كان عاجبك، أنا شوفت قسوة من البيت دا تخليني أدوس على أهله وأنا مغمض وبعدين مش أنا تربية "ملاك" في ما يتقول؟ جاي ليه دلوقتي تعاتبني بقى، وبعد اللي البت دي عملته مع أبني أنا البيت دا بقى محزم عليا دخوله بعد النهاردة، مبقاش في حاجة تربطني بيكم خلاص هي خلصت لحد هنا.
كان حديثه بمثابة ضربة قوية فوق رؤوسهم، وقد كانت ضربة موفقة بحق أخذ زوجته وخرج دون أن يلتفت إليهم أو يظهر ندمه، فلا شيء بعد الآن قد يندم عليه، بينما طالعهم "ديفيد" ببرود نام وكأن شيئا لم يحدث ثم قال:
فكروا فيها كويس أوي قبل ما ناخد إحنا رد فعل تندموا أنتوا عليه بعدين، خصوصا لو أنا اتدخلت.
كان تحذيره صريحًا يخلوه المكر تلك المرة، وكأنها رسالة مبطنة بما لا يتخيله عقل بشري، أخذ زوجته بعد أن ألقى بسمه وخرج هو الآخر ليبقى "كيرلس " هو الوحيد الذي يقف أمامهم، نظر إليهم بمكر وابتسامة خبيتة رسمت بزاوية فمه حينما قال:
بالمناسبة دي بقى وبما أنهم رزعوا فيك فمش هتيجي عليا أنا كمان قريب أوي هطلب منك ايد بنتك "ليقين" وهتجوزها غصب عنك، ودا مش طلب بالمناسبة دا امر فرمان، "ليفين" بتاعتي انا وبس ولو فكرت تعاندني صدقني هتشوف مني رد ميخطرش على بالك دورها صح علشان تديك الحرير.
عمل إليه يعبث ثم ألقى نظرة تجاه "تيقين " التي خجلت في تلك اللحظة ونظرت بعيدا حتى لا ترى تلك النظرة في عيناه برغم علمها أنها لا تفارقها، رحل وترك رائحة عطره عالقة في هواء الغرفة وكانها تترك وعده بالعودة قريبا مهما طال الوقت...
و بخروجهم تركهم " يوحنا" وولج إلى غرفته صافعا الباب خلفه يعنف بعد أن اشتعلت الحرب بينهم وكان من أعلنها "مينا" الذي بالطبع لن يدعها تقر عليهم مرور الكرام.
زيارة محب ليسكن قلب حبيبه ">
في منزل الحج "فضل"...
قبيل المغرب انقلب المنزل رأسا على عقب، كانت "زينب" تقوم بتجهيز كل ما لذ وطاب منذ باكورة الصباح حتى انتهت أخيرا وبدأت في تجهيز نفسها على عجالة، بينما كان "فضل" يقف أمام المرآة ويهندم ملابسه بتركيز حتى يظهر في أحسن صورة كما يليق بهم ....
وعن تلك الأميرة التي تسرد قصتها الليلة فقد كانت تجلس أمام المرأة وتضع آخر لمسات زينتها الناعمة الرقيقة كما اعتادت أرتدت فستانها الوردي وخمارها الأبيض وانتظرت هذا الحبيب الذي استطاع أن يسرق قلبها بأقل مجهود منة ...
نظرت إليها صديقتها المقربة نظرة ذات معنى حيث أخذت "عنان " تدور كالنحلة الثانية في الغرفة وقالت:
ما تقعدي شوية يا "عنان" خيلتيني معاكي، مش كدا يا حبيبتي
نظرت إليها "عنان" التي بدأت تضغط على قبضتي كفيها بتوتر ملحوظ وقالت بنبرة مهزوزة
أنت مش حاسة بيا يا "ترمين"، أنا بجد متوترة أوي مش عارفة متعامل معاه أزاي وإحنا بنقي الشبكة وفيما بعد.
أوقفتها "ترمين" التي وقفت في مواجهتها وقالت بنبرة هادئة وهي تنظر في عيناها:
أهدي يا "عنان" متوتريش نفسك عالقاضي الموضوع عادي وأبسط من كدا بكثير، سيبي نفسك هي تتعامل بطبيعتها متحاوليش تتصنعي أو تكوني قفل دايفا، أهدي وخليكي على طبيعتك، تحدي نفس.
حاولت "عنان" أن تهدأ بالفعل وهي تنظر إلى رفيقتها التي ابتسمت وقالت:
بس كدا أهدي وأول ما تشوفيه هنتعاملي عادي من تلقاء نفسك.
نظرت لها "عنان" بوجه يكسوه الخمرة والخجل وهي لا تعلم ماذا تقول فمازحتها "ترمين" بقولها ضاحكة:
شوفوا شوفوا يا عيني على الحدود لم يحمروا من الكسوف.
منحتها "عنان" ضربة خفيفة على ذراعها وويختها بقولها :
أتلمي يا "ترمين" شوية، وبعدين بلاش تكسفيني كل شوية كدا وراعي الموقف.
ضحكت "لرمين" التي حاولت تمالك نفسها ولكنها لم تستطع أن تمنع إظهار فرحتها بصديقتها الغالية ولذلك نظرت إليها بأعين تلمع بالحب والفرح وقالت:
نصي بغض النظر عن أي حاجة أنا بجد مبسوطة ليكي أوي، وعايزة أقولك حاجة يمكن متكونيش خدتي بالك منها بس مسير اللي حواليكي بقولك الكلمتين دول، "وهيب" شبهك اوي فحاجات كتير أوي أولهم الشكل، ملامحه كأنها واحدة من ملامحك يمكن متكونيش مركزة فالتفاصيل بس أنا واحدة بالي أوي من كل حركة ونظرة، وطباعه أغلبها طباعك يعني الالتزام والهدوء مش عارفة يمكن تكون طقة منه ومخبي مسير الأيام تتبتلنا دا، پس حشاه ناضج و دماغه متكلفة زي ما بتقول ...
ويمكن أنا مشوفتهوش غير مرة واحدة بس صدقيتي المزة دي كانت كفيلة تخليني اقراه وكأنه كتاب مفتوح، أكيد مش هيسلم من اختباراتي واذا زعلك فيكون عامل حسابه إنه هيشوف الوش الثاني مني مش هعديها له هبقى طرته وعلى قلبه أصله مش واخد أي واحدة والسلام يعني أنت بس خليكي على طبيعتك هو عايز يتعامل مع "عنان" اللي شافها أول مرة وواحدة واحدة هتتعودي عليه، أسمعي من أختك.
شعرت "عنان" في تلك اللحظة براحة غير عادية حينما سمعت رفيقتها المقربة والتي يسهولة استطاعت أن تطفئ تلك النيران الملتهبة بأقل كلماتها، أخرجت تنهيدة عميقة ثم ابتسمت ونظرت في عيناها وقالت:
يجد شكرا ليكي أوي يا "ترمين"، مش عارفة من غيرك كنت معمل إيه ومتصرف أزاي بجد كلامات عامل زي السحر ارتحت، وهحاول أتعامل على طبيعتي، المحاولة مش وحشة.
ابتسمت "ترمين" إليها برضا ثم ضفتها بفرحة لم تستطع الخفاءها وقالت:
مبارك يا حبيبة قلبي ربنا يكتبلك الخير دائما وأشوفك دايما مبسوطة ومرتاحة البال ويكون
عوض ليكي ويعيشك متهنية ومبسوطة العمر كله.
بادلتها "عنان" ضفتها بحب صادق وقالت بامتنان لها :
أنا بجد مش عارفة أقولك ايه مشاعري دلوقتي داخلة فبعض ومش عارفة أتكلم، بس بتمنالك المثل، مستنية أسمع خبر حلو الفترة الجاية.
ابتعدت "ترمين" ونظرت في عيناها مبتسمة الوجه وقالت:
قولي يا رب أول واحدة هتعرف وانت عارفة كدا كويس، أنا بقالي فترة مش منظبطة كدا وحاسة بأعراض غريبة بس أنا قولتله بعد خطوبتك هروح أعمل تحليل وأتأكد أدعيلي كثير اوي فصلاتك يا "عنان".
أمسكت "عنان" كفيها الدافئين وضغطت فوقهما بأطف وقالت بنبرة حنونة:
متخافيش ربنا هيجبر بخاطركم وهيرزقكم بالبيبي اللي نفسكم فيه الصبر يا "ترمين " لازم تصبروا مش هقعد أقولك الكلمتين دول كل مرة يعني اصبروا زي ما سيدنا "أيوب" عليه السلام صير الصبر مفتاح الفرج واللحظة هتتفاجئ بكرمه وعطاءه صدقيني
تر فرق الدمع في عينان "ترمين" التي اخفضت بصرها حتى لا تكشفها أمام رفيقتها في هذا اليوم السعيد وابتسمت قائلة بنيرة مهزوزة
أكيد، أنا فاهمة كويس كلامك وعارفة إلى زهقتك بيه كل شوية، وكمان النهاردة فأهم يوم فحياتك، أنا بجد إنسانة كتيبة أوي.
مدت "عنان" كفيها ومسحت عبراتها برفق حتى لا تنزع زينتها وقالت بنيرة يشوبها اللوم:
بس با عبيطة متقوليش كدا أنت اختي وبعدين همك هو همي بالظبط، متخافيش طالما حاسة بالأعراض دي فتأكدي إنك أكيد متطلعي حامل أنا حاسة، وعلشان كدا من هنا لحد ما تتأكدي متعمليش أي مجهود، فاهمة ؟.
أنهت حديثها بنبرتها التحذيرية التي يقطن خلفها الوعيد، فابتسمت "ترمين" وهزت رأسها برفق دون أن تتحدث، فتح الباب في تلك اللحظة وأطلت "زينب" عليهما وهي تقول مبتسمة الوجه:
العريس وصل مش هتخرجي بقى ولا إيه يا "عنان".
نظرت "عنان" إلى "ترمين" التي منحتها ابتسامة حنونة وقالت:
يلا.
تحركت "عنان" بالفعل بعد أن أخذت نفسا عميقا وهي تحاول أن تحافظ على هدوه ها أمام الجميع، هكذا ظنت أنها ستفعل ولكنها حين أن رأته تغير كل شيء، كان والديه حاضرين كما في الجلسة السابقة ولكن تمة ثلاثة أفراد حاضرين في هذا المجلس تراهم لأول مرة....
نهضوا الاستقبالها بترحاب وبحب أعدادته من والديه، فنهض هو وعلى ذراعه حمل "فريال" التي لم تفارقه لحظة منذ أن وصل اليهم وحتى جاء بهم إلى هنا، عيناه كانت تتابعها بشغف لم يستطع إخفاءه، وكأنه يرى لوحة فنية جديدة تعرض لأول مرة، ولكن تلك المزة هي لله وحده...
استقبلها أخيه الكبير بابتسامة هادئة دون أن يصافحها، فقط أكتفى بوضع كفه فوق موضع قلبه، فشعرت هي بالراحة حينما رأت هذا الفعل البسيط الذي كانت تسعى لرؤيته، بينما صافحتها "رنا" مبتسمة الوجه وحينما تخطتها مالت نحو زوجها وهمت اليه بقولها:
طلعت حلوة ومؤدبة، علشان لم أقولك أديله وقته هيجيبلك حاجة حلوة تصدقني البت حلوة بطريقة بسم الله ما شاء الله خمسة فعيني بدل ما أحسدها من غير ما أقصد.
أبتسم "تيام" ونظر إليها بطرف عينه قليلا ثم همس إليها بقوله:
يعني مش هتعملي عليها بقى شغل السلايف والكلام العبيط دا.
نظرت إليه هي نظرة ذات معنى ثم نفت يقولها :
لا لو كانت قادرة وسوسة كنت وريتها الوان الطيف بس دي شكلها عليانة وحاجة صغيرة فنفسها محتاجة معاملة خاصة، بس عايز الصراحة " وهيب" أخوك عيونه بتطلع فقلوب الجفاف عنده صعب أوي شكلها عرفت تصطاده صح.
ليه شيفاه سمكة بوري؟ أهدي يا "رنا" ومتفضحيناش قصاد الناس مش وقت جنانك دلوقتي.
بينما استقبلتهم "نرمين بابتسامة بشوشة وجاورت رفيقتها حتى لا تتركها وحدها وهي تعلم بأنها في أحد الاحتياج إليها، نظرت "فريال" يتمعن إلى "عنان" بعد أن جذبها لمعة فستانها ولونه الفلفت بالنسبة إليها لتقد كلها الصغير نحوها وهي تردد بكلمات غير مفهومة ...
اتجهت الأنظار إليها في تلك اللحظة ليضفها " وهيب" لصدره وهو يحادثها بنبرته الحنونة بقوله:
عايزة إيه يا "فيرو"، مينفعش علشان فستانها كما هيبوظ.
ياربي
هكذا رددت "فريال" وهي تميل بجسدها الصغير للأمام في محاولة فاشلة منها الإمساك بها كلنا منها أنها عروستها باربي، قهفهوا جميعهم حينما رأوا إصرارها لياتي قول "تيام" الضاحك:
متواخذوناش "فريال" ينتشد للون الوردي وأي حاجة بتلمع بتفكرها بباربي، فالاتنين قصادها مش هيخلوها تفضل هادية.
تحدثت "زينب" التي كانت تتابع الصغيرة باهتمام يقولها الهادي:
سیبها با "وهيب" براحتها متقلقش، أنا عايزة أشوف هي هتعمل إيه.
منحها " وهيب" قبلة حنونة فوق وجنتها الصغيرة أولا ثم أنزلها لتجلس هي فوق الأرضية وهي تنظر إليه نظرة ذات معنى وكأنها تتومه على هذا الفعل، جلس بالقرب منها فوق الأريكة ونظر اليها قائلا:
بتبصيلي كدا ليه مش أنت اللي طلبتي تنزلي جاية تلوميني ليه دلوقتي.
ظلت ساكنة كل ما تفعله هو أنها تحدق فيه حتى ترقرق الدمع في عيناها الواسعة وتوت شفتيها الصغيرة للأسفل في استعداد منها لوصلة بكاء حارقة لن تنتهي، فأسرع "وهيب" وحملها برفق
ثم ضمها لصدره وقال :
خلاص بلاش النظرة دي أنا مأجر متش.
دفنت رأسها في صدره وبكت ليريت هو فوق ظهرها بحنو بقوله:
خلاص أنا آسف حقك عليا، ما أنت اللي كنتي عايزة تنزلي أعمل إيه طيب.
تأثرت "زينب" ومعها "عنان" التي نظرت يحنو إلى "فريال" ولم تستطع أن تمنع نفسها من التبسم، ولكن "زينب " ركزت على أفعال وهيب" مع الصغيرة، كانت ترى كيف يتعامل مع "فريال" وكأنها قطعة الماس لا ينبغي أن تكسر، ومعها ركزت "عنان" التي رأت في لحظة لم تكن في الحسبان جاننا آخر من " وهيب " الذي دوما يتعامل بطبيعته أمام الصفار....
ولكن "فريال " لم تكن كغيرها، فحينما ولدت أول من حملها كان عمها، وأول من سمعت صوته وتبسمت نظر "راجي" إليهم واعتذر بقوله:
الظاهر إن "فريال" يتغير على عنها، أعذرونا بس هي متعلقة بيه بطريقة غريبة سوية.
أجابه "فضل " الذي أبتسم ونظر إليه قائلا:
بالعكس دي حاجة حلوة أوي، وبعدين حقها حست أن الموضوع مش فريح فالحاسة السادسة اشتغلت علطول..
ضحكوا جميعهم ونظروا إلى "وهيب" الذي استطاع أن يسيطر على الأمر ويسكنها بقبلة وهمسة حنونة تطمئنها كما أعتاد منذ أن كانت رضيعة، رفعت هي رأسها ونظرت إليه بجبين متنفض قليلا ليمنحها هو قبلة دافئة وكأنها اعتذارا صريحا منه علم بصر منه ...
لولا ابوكي اللي جه معايا كانوا زمانهم فاكريني متجوز ومخلف وبفكر فالجوازة الثانية بسببك.
أنهى " وهيب " حديثه وهو ينظر إليها وكأنه يعنفها، فصرخت هي بوجهه باسمه وكأنها تعترض على ما يقوله، فنظر هو في عيناها وقال بنبرة جادة
لا يقولك ايه متصر خيش فوشي أنا المفروض جاي بتقدم للغلبانة دي وأنت بوظتي الليلة.
ولكنها في لحظة خالفت توقعاته وبدلا من أن تصرخ كما اعتاد بكت من جديد، وكان قلبها الصغير شعر بهذا التغير الطفيف الذي حدث منذ أن وصلوا إلى هذا المنزل، تفاجئ " وهيب" بلا شك ونظر إلى أخيه الذي هز رأسه بقلة حيلة وقال:
املتك سودة معاها النهاردة، فيها أسابيع على ما ترضى تسامحك
ضحك "فضل " الذي أعجبه المشهد كثيرا وتابع باندماج متناسيا سبب هذا المجلس، مالت "ترمين" نحو رفيقتها و همست لها بقولها:
شايفة، سبحان الله كأن ربنا بيوريكي معدنه قبل ما تبدأوا أي حاجة.
لان قلب "عنان" التي تابعته بأعين تفيض بالحب والفرحة دون أن تتحدث، بينما ضم "وهيب" "فريال" لدفء صدره وغمرها بقبلاته كما اعتاد المصالحتها وهو يهمس لها ببعض الكلمات
الحنونة حتى تعفو عنه وتسامحه....
وبعد العديد من المحاولات اليائسة سامحته أخيرا وها هي تضحك كلما داعبها كما أعتادت.
فنظر "فضل " إلى "راجي" وقال مبتسما :
عرفت تربي راجل سوي نفسيا يا "راجي"، فعل بسيط زي دا عرفني حاجات كتير أوي عن " وهيب" وأولهم إنه بيحب الأطفال.
ولت ضحكة "فريال" عاليا في تلك اللحظة بعد أن بدأ "وهيب" يدغدغها، وظلت الأعين عليها عالقة، ومع مرور الوقت كانت الجلسة جادة حيث بدأ النقاش كما هو متعارف عليه في تلك المجالس، فغفت "فريال" وهي في أحضان "وهيب " مطمئنة وبنفس اللحظة لم يبعد كفه الدافئ عن رأسها حيث ترك أنامله تداعب خصلاتها الناعمة...
احنا ناس بتفهم فالأصول ومبتحبش تصعيها على حد وابنك جه البيت من بابه وعمل بالأصول فأنا بالنسبة لي الشبكة دي يشوفها هدية من العريس لعروسته أنا كانت إيه هي، فقدي أنت ليك الخرية التامة مش هقيدك بجرامات معينة شوف أنت معاك قد إيه وهات بيه دا اللي انا متربي عليه إنما النفقة والمؤخر دول أكيد فيهم كلام تاني
هر "راجي " رأسه بعد أن قال حديث "فضل " إعجابه فعلق عليه بقوله:
كلامك مظبوط ويحترم، ودي أنا موافقك عليها، والنفقة والمؤخر برضوا ميقلوش أهمية عن الشبكة ويشهد ربي وربك إني أعتبرت "عنان" بنتي الثانية زيها زي "رنا" مرات "قيام" ابني، أي حاجة تطلبها هتكون حاضرة وأم "وهيب" تشهد عالكلام دا دايما اقولها ربنا آه مرزقناش بخلفة البنات بس مرات ابني كانت في بنتي بالظبط أقولهم دي بنتي الأولى اللي يزعلها يزعلني نفس الكلام هيتطبق على "عنان" يعني تعتبر نفسها قعدة وسط عيلتها الثانية.
نظرت "زينب" مبتسمة الوجه إلى ابنتها وهي تشعر بالفرحة بعد أن تحققت أمنيتها ورزقت ابنها بتلك العائلة الطيبة، بينما نظرت "عنان" رغما عنها إلى "وهيب " الذي كان ينظر إليها منذ دقائق قليلة ميتسفا وكأنه يريد أن يصل إليها رسالة صريحة بعيناه قبل فمه....
اعتدل "فضل" في جلسته ورد على حديث "راجي" يقوله الهادئ
بكلامك دا أنا هدي بنتي لا يتك وأنا مطمن عليها.
أبتسم "راجي" واستكملت الجلسة باتفاق الطرفين عن أشياء أخرى تضمن حقها فيما بعد بكلمات ترضي كلا الطرفين دون تحيز حتى تمت الجلسة على خير وتم الاتفاق على كل شيء...
ذهبوا بعدها إلى الصالة والفرحة تغمر قلوبهم والمباركات تنهال عليهم من كل باب ومنزل وشارع، حتى وصلوا واقترب "تيام" من أخيه ليأخذ ابنته قائلا بوجه مبتسم
هاتها يا "وهيب" كفاية لحد كدا بدل ما الناس تفتكرها بنتك بجد..
تركه يأخذها وهو يقول مبتسم الوجه:
براحة بدل ما تصحى تفضحنا.
أخذها "تيام" دون أن يوقظها فضفها لدف، صدره ثم غمز إلى أخيه وقال مبتسفا:
يلا يا عريس عندك ليلة النهاردة لسه بتبدأ.
ابتسم "وهيب" ثم تركه واقترب من "عنان" التي تركت عيناها تجول في المكان، وقف إلى جوارها ونظر إليها بطرف عينه مبتسما ثم نظر بعدها إلى الصناديق الصغيرة التي تضم العديد من الخواتم الذهبية حتى تختار منها ما نال إعجابها ...
تحبي نختار سوا ولاي
نظرت إليه "عنان" بعد أن فاجتها بكلماته، ودون أن تشعر هزت رأسها برفق مبتسمة الوجه قائلة:
اكيد.
" رفقاء فرقهم فعل صغير. "
في قصر عائلة ال دمنهوري...
كانت الأجواء متوترة بعد خروج الجد وولده وزوج ابنته على عجالة، خصيضا حينما سمعت اسم الشابين يلفظ من أفواههم، أنزلت "كارما" هاتفها للمرة الرابعة دون جدوى وهي تتمتم بنيرة سكنها الخوف
مبيردش عليا برضوا، أعمل إيه دلوقتي.
نظرت إليها "نوران" وبرغم قلقها طمئنتها بقولها:
أهدي يا "كارما" إن شاء الله خير ليه بتفكري يسلبية كدا.
جلست "كارما" فوق المقعد أمامها وهي تنظر إليه قائلة:
مش عايزاني أخاف أزاي يا "نوران"، أنا سمعت بابا وهو بيجيب سيرة الاثنين مع بعض. معرفش إيه اللي حصل معاهم بس خروجهم هما الثلاثة مش مطمني واللي أكدلي دا إن "ليل"
میبردش عليا
زفرت "نوران" ونظرت إليها نظرة ذات معنى ثم قالت:
طب أهدي وبطلي التفكير السلبي دا، فالآخر متطلع حاجة عبيطة، أهدي علشان مرائتهم ميحسوش بحاجة ولا العيال كفاية اللي حصل قبل كدا.
أخرجت "كارما" تنهيدة عميقة وهي تحاول طرد الأفكار السلبية من رأسها حتى لا تفقد صوابها في لحظة، وفي تلك اللحظة اقتربت "رودينا" من جدتها وهي تحبو على أطرافها مبتسمة الوجه حتى جلست أمامها ومدت كفها الصغير ولا مست طرف فستانها وهي تناديها حتى تلبي الأخرى الدائها وتنتبه لوجودها...
وبالفعل انتبهت إليها "كارما" التي مالت نحوها وحملتها على ذراعها تضمها إلى صدرها وهي ثلثم وجنتها الصغيرة بحنو، بينما ركض " عدنان" إلى جدته وهو يحمل لعبته المفضلة وقال بعد أن وقف أمامها بحماي طفولي:
اصي يا تبتا لعبتي الجديدة اللي جابهالي "يزيد".
في تلك اللحظة ولح "يزيد" وهو يحمل حقيبته قائلا بنبرة عمرتها الفرحة:
يزيد جالكم ثاني يا عينة المجانين.
ركض إليه "عدنان" من جديد وارتمى بأحضانه، فضفه الآخر ثم حمله على ذراعه وهو يغدقه
بقبلاته الصغيرة حتى ضحك الصغير وقال بنبرة طفولية:
كفاية يا "يزيد".
لم يستمع لة "يزيد" بل أكمل ما يفعله حتى زهقت انفاس الصغير، اقترب من والدته وضمها الدفء صدره قائلا:
وحشتینی با ست الكل.
ضفته "نوران" بفرحة بعد أن فاجتها هو بقدومه وقالت بنيرة أعربت عن سعادتها :
وأنت كمان وحشتني أوي يا حبيبي حمد لله على سلامتك إيه المفاجأة الحلوة دي..
ابتعد عنها "يزيد" ثم استقبل عفته بعناق حنون كذلك وهو يقول:
فكل الأحوال كنت هنزل بغض النظر عن إنها إجازة بس "وهيب" خلاص خلص موضوعه النهاردة وخطوبته الجمعة الحالة.
بجد؟ خبر حلو أوي ربنا يتممله على خير يا رب، وعقبال تالتكم.
أبتسم "يزيد" بعد أن علم من تقصد بحديثها فقال :
أدعيله، يا رب يتهبل فدماغه هو كمان ويعملها.
اومال فين "عادل" و "عز" مجوش معاك ولا ايه ؟.
هكذا سالته "كارما" فهز هو رأسه برفق وقال:
لاحم تلاقيهم قاعدين بره اومال فين "خذيفة" و "ليل"؟.
أنكرت "نوران" معرفتها بهما بهزة صغيرة من رأسها ثم قالت:
مش عارفة من شوية جدك وأبوك وجوز عمتك خرجوا بسرعة معرفش ايه اللي حصل عمتك بتكلم "ليل" مبيردش عليها.
تنفخر جبين "يزيد" الذي استنكر ما قبل إليه دون أن يتحدث، بينما في تلك الأثناء كل ما حدث كان مفاجنا للجميع، ولج "ليل" الحفيد كالإعصار دون أن يلتفت إلى أحد أو يقول حرفًا صغيرا.
صعد للأعلى تحت أعينهم التي تابعته بذهول أمتزج بالدهشة...
بالمنظر دا يبقى حصل حاجة، "ليل" وأنا عارفه كويس.
هكذا قال "يزيد" الذي انزل "عدنان " أرضا وترك حبيته بإهمال ولحق به، بينما تحركت "كارما" خلقهما سريعا لمعرفة ما حدث في تلك اللحظة ولج "ليل" إلى الغرفة وهو لا يرى أمامه بعد أن تملك غضبه منه، نهضت "روزي" وهي تنظر إليه قائلة:
في إيه يا "ليل " مبتردش عليا ليه أنا قلقت عليك أوي.
دار الآخر حول نفسه وهو يشعر بالنيران تأكل صدره، يبحث عن شيء يخمد نيران صدره ولكنه لا يجد شيئا ليساعده على ذلك، فصرح في وجهها حينما لامسته بقوله:
أبعدي على متقربيش مني ......
انتفض جسدها يفزع حينما صرخ في وجهها بتلك العدوانية فعادت خطوتين للخلف وهي تنظر إليه بذهول تام، وفي لحظة أمسك هو بالكوب وألقاه بعنف ليسقط أرضا منهشها، وقف "يزيد" على علبة الغرفة ينظر إليه بعدم استيعاب ليقترب منه وهو يقول:
في إيه يا "ليل" مالك أهدى.
دفعه "ليل" بعنف بعيدا عنه وهو يقول بنبرة عدوانية:
أبعد ملكش دعوة بيا، أخوك دا واطي مبيطمرش فيه حاجة ومعدته الـ *** ظهر النهاردة.
تحرك "ليل" ليخرج ويعود من حيث جاء، ولكن لحقه "يزيد" الذي أمسك بذراعه ونظر في عيداد متعجبا من تلك العدوانية التي ظهرت تجاه أخيه قائلا:
لا أستنى رايح فين أصبر، قصدك إيه بالكلام دا وليه العدوانية دي كلها ناحيته إيه اللي حصل.
نقض "ليل" ذراعه بعنف وقال بنبرة حادة:
روح أسأله هو متسألنيش أنا ......
تركهم وغادر متجاهلا نداء والدته التي كانت تسير خلفه، بينما نظر "يزيد" إلى إثره وهو مازال في صدمة من أمره عقله لا يستوعب ما يحدث حوله حتى تلك اللحظة، ولكنه أيقن بأن أخيه كسر شیلا لمينا داخل این عفته يصعب ترميمه.
هو في إيه؟ أخويا ماله يا "يزيد"؟.
التفت ينظر إلى "روان" التي كانت تنظر إلى إثر أخيها وهي في حالة من الذهول، فهل هو رأسه بقلة حيلة وقال بنبرة هادئة:
مش عارف أنا زبي زيك بالظبط، بس شكل أخويا كدا عك جامد أوي مع "ليل".
استراحة مؤقبة نالها الملك في حريم "
تتكاثر الحروب كما تتكاثر الإنزيمات.
لا تعرف كيف تقف وتترك المملكة تعيش حرة دون أيا نزاعات، وهكذا اصبح الملك في حروبه، لا يحظى بالراحة بل يقاتل طيلة الوقت حتى يسقط قتيلا أو ينتصر أمام عدوه....
في أمسية اليوم
ولح "شهاب " إلى منزله أخيرا بعد أيام من النزاعات والشد والجذب ليحظي بالراحة التي انتظرها طويلا، أضاء مصابيح الشقة وأغلق الباب بعد أن ولجت "مريم" التي كانت مرهقة بشكل فاضح، نزع سترته وتركها فوق المقعد ونظر إليها نظرة ذات معنى وقال:
إحنا لو شوفنا السرير هنترمي عليه مقتولین مش كدا.
أبتسمت "مريم" وهزت رأسها برفق تؤكد على كلماته دون أن تتحدث، ولجا سويا للغرفة لتذهب هي تضع ملابسهم في السلة بينما رمى هو جسده فوق الفراش وهو يتاوه براحة افتقدها منذ أيام، أغمض عيناه وقال:
اقسم بالله نومة السرير دي نعمة مش أي حد هيحس بيها.
أبتسمت "قزيم" التي اقتربت منه وجاورته قائلة:
عندك حق يا رب يديمها علينا نعمة وما تيجي حاجة تفصلنا.
ولكن الأحلام لا تتحق فرادة إذ رن هاتفه في تلك اللحظة وكأن المتصل يعاندهم، نظر إليها شهاب" بيأس وتمتم بقوله:
عمرنا ما تتمنى حاجة وتكمل للآخر، لازم التانش بتاعهم.
نهض وسحب هاتفه من جيب بنطاله بكسل واضح، وكان المتصل "لؤي" هذه المرة، أجابه "شهاب " بقوله :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ليك شوقة يا غالي لازم يعني تغيب و متفتكر ليش غير فين وفين.
أجابه "لؤي " على الجهة الأخرى بقوله الهادئ:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته والله يا "شهاب" تلاهي الدنيا غصب عني، عرفت من "جيجي " إن أخوك فاق الحمد لله قولت أتصل وأقولك حمد لله على سلامته.
أخرج "شهاب " تنهيدة عميقة ثم قال بنبرة هادئة:
الحمد لله يا "لؤي" على كل حال، فاق وبقى زي الفل إحنا كنا فين وبقينا فين، عقبال ما يسند طوله ويرجع يقف على رجليه ويشد عوده ثاني الموضوع مش بالساهل خصوصا لو انا خدت غدر
أجابه "لؤي " بنبرة هادئة معلقا على كلماته:
هيرجع يسند طوله ويشد عوده ثاني أديله وقته بس وهو هيرجع، مش سهلة عليه برضوا وبتوجع يا "شهاب"، جنة جواه اتشرخت برضوا الغدر مش سهل المهم دلوقتي إنه كويس.
الحمد لله كل اللي يجيبه ربنا خير.
تحدث "لؤي" من جديد بقوله الهادئ:
بصراحة كنت متصل علشان أفكرك بميعاد الجلسة الثانية، قولت يمكن تكون نسبت وسط مشاغلك.
أخرج "شهاب " تنهيدة عميقة ثم قال بنبرة هادئة:
متقلقش فاكر بس بحاول أقاوم فنفس الوقت علشان مقعش ومقومش بحارب بالعافية وربنا.
هون عليه "لؤي " بكلمات بسيطة هي كل ما استطاع تقديمها إليه:
أنا حاسس بيك وعارف انك تعبت بس خلاص بجد إحنا فنهاية المشوار الجلسة دي هتكون فصفنا بعون الله مش عايزك تشيل هم تقدر تباركله على حكمه من دلوقتي كمان
تحدث "شهاب" بنيرة مرهقة بعد أن بدأ يفقد الأمل قائلا:
خايف بجد أحد ضرية أنا مش عامل حسابها، خايف حقى يروح بعد كل التعب دا.
الله فسماه ما هتعدى غير وانت خارج منها راسك مرفوعة، ثق فيا واصبر حبتين كمان، الجلسة الأربع الجاي يعني قدامنا يومين بالظبط يا "شهاب" لازم تبقى مستعد علشان تقفل الحدوثة دي خالص وتبدأ حياتك على نضيف.
نظر "شهاب" إلى زوجته في تلك اللحظة حيث انشغلت بترتيب شفتها وهو يفكر في كلماته. فتلك ستكون النهاية لهذا الشر الذي يابي تركه، نهاية الألم وبداية الراحة التي تنتظره منذ زمن. أخرج تنهيدة عميقة ثم قال:
عندي أمل لسه إن حقي مش هيروح هو ماطل أول جلسة علشان محاميه يعرف يخرجه، بس ميعرفش إن صاحب الحق مبيسكونش غير لم ياخد حقه وبزيادة كمان وأنا عنيد ولو ليا حاجة حد ميسيبهاش مهما حصل.
أبتسم "لذي" في تلك اللحظة بعد أن سمع تلك النبرة العنيدة التي يعلمها عن ظهر قلب وقال:
وهو دا اللي عايزه منك متياسش علشان ميحسن إنه أضعفك، وليك عليا يوميها لامسكلك محاميه ارزعلك بيه حيطان المحكمة كلها وما هخليه يقول حرف واحد على بعضه من عجزه الأدلة كلها صحيحة واحدا معانا الحق يوريني هو هيعمل إيه بتقاريره المزيفة.
أخرج "شهاب " تنهيدة طويلة بعد أن شعر بالراحة بعد حديثه ذاك، فابتسم ابتسامة خفيفة وقال بتيرة هادئة
طعنت قلبي يا صاحبي بطريقة أنت متتخيلهاش أنا مستعد للجلسة دي ووائق إلي مخرج منها مجبور الخاطر، أشوفك يوميها يا صاحبي
أنهى المكالمة معه وتركه فوق الطاولة ثم نظر إلى زوجته التي ولجت إلى المطبخ وبدأت بأعداد الطعام برغم رفضه، وحينما تأمل هذا المشهد أندهش برغم ارهاقها وتعبها الذي يجبرها على الاستسلام ما زالت تقف على قدميها وتقاوم برغم كل شيء تحارب لأجل نفسها ولأجله وهذا
كان كافيا لتعطيه الدافع الأكبر ليكون مثلها ....
هو يتمنى أن يحظى بحياة هادئة وفريحة بعد تلك الجلسة التي سيستعيد حقه من خلالها. ولأجل تلك اللحظة يجب أن يحارب حتى وإن كان ينزف وهذا ليس صعبا على شخص مثله فبرغم عجزه حارب فكيف وهو يحارب البقاء حيا الآن ؟..
نظر إلى الدرج قليلا ثم من كفه وفتحه بهدوء ليرى المذكرة الخاصة به مازالت داخله كما تركها آخر مرة، أخرجها بهدوء وأغلق الدرج، اعتدل في جلسته وفتحها ليرى آخر ما قام بتدوينه قبل أن يتعرض أخيه لهذا الحادث الملعون...
فتح صفحة بيضاء جديدة وأمسك بقلعه الأسود وبدأ يدون كلمات وقصة جديدة كي يقرأها صغيره حينما يأتي لهذا العالم الذي لم يرحم أبيه يوما:
إلى صغيري وحبيب قلبي...
اليوم لم يكن كغيره كما أعتدت الأمور تغيرت في غمضة عين دون أن ألحظ ذلك، منذ هذه اللحظة وحتى نفر ثمان وأربعون ساعة تلفظ حربي أنفاسها الأخيرة، وأنفاسا أخرى حرة تبدأ في الخروج من قفص الغزاة والألم، وتلك ما هي إلا أنفاس أبيك الذي لقب بالناجي، نعم أعلم أن الاسم غريبا على مسامعك وكان كذلك على مسامعي أيضًا، ولكنك لا تعلم أن أبيك قد رأى الموت بأم عيناه وتوقف قلبه بالفعل مرتين من قبل، نعم هكذا حدث لأبيك الحبيب يا صغيري ولكن الله لم يأذن بعد أن يسترد روحًا سكنت جسدا لخلق من رمل...
اليوم هذا الناجي يقاتل في آخر ساعات تلك الحرب الكبيرة الحرب التي از هفت روحه مرات عديدة ولم تستطع أن تنتصر عليه بعد تنتظرني جلسة أخرى يا صغيري وبعدها يعود أبيك الناجي منتصرا من حربه، لم أكتب هذا حتى أصيب قلبك بالم قد يسكنك يوما، بل لأجعلك ترى كم أصبح أبيك شجاعًا ولم يسقط يوما، أبيك الذي ستراه في يوم ما بطلا كما سترى أبطالك الخارقين وتبهر بقواهم الخارقة فتتمنى حينها أن ترى أبيك مثلهم، ولكن القوة الخارقة لا تكفن في فعل أشياء خارقة للطبيعة، يمكن أن تكون شجاعة وإصرار أمام أعداء لك....
مثلما سردت لك قصتي في تلك المذكرة، حتى نقرأها وحينها تنظر في عيناي أرى لمعة الدهنية النعكس في مقلتيك كي تأتي وتسألني كيف استطعت أن تفعل ذلك يا أبي، والتي أنا بشغف أسرد قصتي للمرة التي أجهل عددها دون ملل أو كلل، أريد أن أخبرك أنتي فعلت هذا المجهود. القاب من أجلك أولا ومن ثم لأجل والدتك وحبيبة الفؤاد، وأنا أخيرا، ولن أمل حتى تصبح في عامك الخامس وتقرأ تلك الكلمات المعقدة بتلعثم في أني أنا وأعيد تصحيح قراءتها إليك، فقط انتظر وستعلم ذلك يوما ما وحينما يحدث ذلك فتق بأنني أحبك وبشدة، وسأحبك حتى آخر لحظة وسأنتظرك حينما تبدأ تخطو أولى خطواتك المتعثرة وتسقط بين ذراعي وتغدق أذني بضحكاتك الطفولية الرنانة، سأنتظرك يا رفيقي حتى أشعر بأنفاسك الصغيرة الساخنة تضرب بشرتي ويسكن قلبك الصغير في دفء صدري، حيث يكون هنا منزلك الصغير وأمانك الدائم.
الشخص الذي لقب بـا
الناجي.
ختم "شهاب " كلماته بتوقيعه الذي أعتاده منذ أن أقب بهذا اللقب، أغلق المذكرة وهو شارد الذهن والقلب يخفق بالحنين لطفل مازال نطقة صغيرة في رحم أمه، تركه في الدرج كما كان ثم ذهب إلى زوجته التي كانت تقف للعد إليه الطعام رغم تعبها الشديد كانت تقاوم لأجله...
وقف خلفها لتداعب رائحة الطعام الطبية أنفه بلطف، كانت خفيفة وجميلة كجمال قلبها تماما. فابتسم وضمها برفق ثم لتم رأسها بحنو دون أن يتحدث، وكأنه بهذا الفعل الصغير يشكرها على مكافحتها لأجله، فهكذا كان تقدير الملك الملكته: ملكا عشق ملكته قبل مملكته.
